bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
الانتخابات في إسرائيل والصراع

3 شباط/فبراير 2003 العدد 5

================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني www.bitterlemons.org.

في هذا العدد
================================

>< مستقبل كنا رأيناه
بقلم غسان الخطيب
النتائج ليست خبرا سارا، لا لعملية السلام ولا لأنصار السلام في الجانبين

>< الأمن لا المفاوضات
بقلم يوسي ألفر
"هل ترى هذا التل الذي يفصل بين الواديين المأهولين؟ ههنا نضع مستوطنة للفصل بينهما."

>< صعود "الشارونية" عبر انتفاضة الأقصى
بقلم هشام أحمد
رغم أنه كان متوقعا، فإن فوز شارون الساحق كان له صدى قوي بين الفلسطينيين ولا مبرر لهذا

>< شارون والفلسطينيون: فرصة أخرى
بقلم أمنون أبراموفيتس
اتخذ شارون رؤية بوش، كما عبر عنها في خطابه في 24 يونيو/حزيران، نصا مقدسا

=================================

وجهة نظر فلسطينية
مستقبل كنا رأيناه
بقلم: غسان الخطيب

=================================

لم تكن نتائج الانتخابات التي جرت مؤخرا في إسرائيل جيدة، لا لعملية السلام، ولا لأنصار السلام في إسرائيل أو فلسطين. في المحصلة جددت هذه الانتخابات التفويض للقيادة الإسرائيلية نفسها المسؤولة عن العنف الدائر، وعما أدى إليه من معاناة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. ذلك أن هذه القيادة منغمسة في استراتيجية تحقيق أهدافها عن طريق القوة والعنف، رغم أن تجربة السنتين الفائتتين أثبتت أن العنف لا يولد سوى العنف، إضافة إلى أنه يخلف وراءه الحقد وروح الانتقام.

على أنه جدير بالملاحظة، مع ذلك، أن نتائج الانتخابات لا تعكس بشكل كامل التوجهات السياسية لدى الجمهور الإسرائيلي اليوم. قيل الكثير عن النتائج الباعثة على الحيرة لاستطلاعات الرأي التي تظهر أن غالبية الجمهور الإسرائيلي تؤيد برنامجا سياسيا معتدلا يتضمن إنشاء دولة فلسطينية وتفكيك المستوطنات، بينما هو في الوقت نفسه ينتخب قيادة سياسية تعارض هذه المواقف بالذات.

قد لا يكون هناك تناقض في واقع الأمر، فقد يكون الوضع ناشئا من حقيقة تجاهلها كثير من المحللين: غياب بديل قوي لليكود اليميني على الخريطة السياسية الحالية. فالحزب الذي يطرح نفسه بديلا، حزب العمل، يبقى في وعي الجمهور الإسرائيلي جزءاً لا يتجزأ من الائتلاف الذي كان يقوده الليكود، وهو بالتالي مسؤول عن كل المشكلات التي تسبب فيها الليكود. وفي واقع الأمر فإن أعضاء العمل لم يكونوا مجرد شركاء في الائتلاف، كانت بأيديهم وزارتا الخارجية والدفاع المهمتان. إذن فللمرء أن يذهب إلى أن الجمهور الإسرائيلي إنما عاقب العمل، أو تجاهله، للغلطة الاستراتيجية التي ارتكبها بانضمامه إلى ائتلاف يقوده الليكود وبأنه سمح لنفسه أن يكون أداة في خدمة البرنامج اليميني لليكود.

عندما ينظرون إلى هذه النتائج يشعر الفلسطينيون على نحو متزايد بالتشاؤم، ويتهيأون للاستمرار في مواجهة واقع ما فتئوا يواجهونه منذ حين. وفي محاولة يائسة لنزع القناع عن وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي العائد إلى الحكم أرئيل شارون – الذي حاول خلال الحملة الانتخابية أن يظهر بأنه يمكن أن يكون رجل الحرب، ورجل السلام – جددت القيادة الفلسطينية التزامها بعملية السلام، واستعدادها لاستئناف التفاوض مع أية حكومة، على أساس الاتفاقيات الموقعة والمرجعيات الأخرى لعملية السلام، بما فيها قرارات مجلس الأمن المختلفة التي تدعو إلى إنهاء كامل للاحتلال مقابل سلام شامل.

ولكن رد فعل شارون كان سريعا ومشبها شارون الذي عرفناه قبل الانتخابات. من أجل ضمان الاستمرارية، ليس فقط في السياسة بل وفي الممارسة أيضا، فقد قتل الجيش الإسرائيلي المحتل في يوم الاقتراع تسعة فلسطينيين بالتمام والكمال، أربعة منهم أطفال تحت الرابعة عشرة. وفي اليوم السابق كان قتل سبعة فلسطينيين، وفي اليوم الذي قبله كان قتل اثني عشر في الغارة المشؤومة على غزة.

وعلى هذا فليس صدفة أن ينهي 12 فصيلا فلسطينيا عشية الانتخابات الإسرائيلية جولة ثانية من المحادثات في القاهرة بالإخفاق في الاتفاق على هدنة شاملة من جانب واحد. على أنه مهم أيضا أن المجتمعين نجحوا في التوصل إلى إجماع على استعدادهم للدخول في هدنة متبادلة مع إسرائيل أو/وإقرار اتفاقية إسرائيلية فلسطينية لتجنب مهاجمة المدنيين من الطرفين. وعلى هذا فقد مدّ الفلسطينيون يدا، ولكن نجاح تلك المحادثات يعتمد على قدرة مصر والآخرين الذين يقدمون الرعاية للحوار على إقناع إسرائيل بالاستجابة لهدنة متبادلة، وإلا فإن الطور المقبل لهذا الصراع سيكون ببساطة استمرارا مأساويا لما شهدناه سابقا. تم نشره في 3/2/2003 ©bitterlemons.org

غسان الخطيب هو وزير العمل في حكومة السلطة الفلسطينية. وقد عمل لسنوات محللا سياسيا وصحفيا.

================================

وجهة نظر إسرائيلية

الأمن لا المفاوضات
بقلم يوسي ألفر
=================================

في عام 1994 كنت أعد في مركز جافي خريطة لاتفاقية وضع نهائي إسرائيلية فلسطينية محتملة. كان من بين كبار الساسة الإسرائيليين الذين أجريت معهم مقابلة في هذا الخصوص أرئيل شارون، وكان آنذاك عضو كنيست من المعارضة. في سياق حديثنا تناول شارون خريطة وبدأ يوضح لي مفهومه بشأن المستوطنات والرقعة الجغرافية والفلسطينيين.

قال شارحا: "هل ترى هذا الوادي"، وأشار إلى موقع ناء في يهودا بجنوب الضفة الغربية. "ثمة عشيرة بدوية هنا"، - ولا يداني شارون في معرفته بالمواقع وبالأرض أحد، لا إسرائيلي ولا فلسطيني - " هل ترى الوادي الآخر هناك؟ ثمة عشيرة بدوية من البطن نفسه. هل ترى التل الذي يفصل الواديين؟ ههنا أضع مستوطنة، لإبقائهما منفصلين".

انكببنا على الخرائط ساعتين أخريين، ولكن الزبدة كانت أن على إسرائيل أن تسيطر على الأرض من أجل ضمان أمنها، ولهذا الغرض يجب أن تستوطن التلال والمفترقات الرئيسية، وأن تفتت الوجود الفلسطيني جغرافيا وديموغرافيا. وأما الاستناد بدلا من ذلك إلى السيطرة على الأجواء، ونزع السلاح، والتواجد العسكري في غور الأردن، والتحالف الاستراتيجي مع الأردن، والسلام مع الفلسطينيين، فكل ذلك استبعده شارون وعده سناريوهات مرعبة.

وفي نهاية المطاف نشرت خريطة لـ "خطة شارون". وأبرزت فيها مناطق أميبية عجيبة الشكل تحيط بالمدن الرئيسية في الضفة الغربية في تشكيلة مشابهة للمفهوم الانتقالي في أوسلو للمناطق أ و ب. وهاتفني شارون محتجا: لماذا لم أنشر رؤيته لقطاع غزة أيضا، مفتتا إلى ثلاث مناطق فلسطينية مفصولة عن بعضها بمستوطنات مثل نتساريم؟

الجمهور الإسرائيلي الذي أعاد لتوه انتخاب شارون ورفض أحزاب اليسار الصهيوني لا يقر في مجمله فهم شارون الاستراتيجي للضفة الغربية وغزة الذي سوف يجلب على إسرائيل وضعا شبيها بكابوس جنوب إفريقيا، وسيعرض للخطر الصفتين اللتين نؤيدهما كلنا تقريبا في الحلم الصهيوني: دولة ديمقراطية ويهودية. ولم يقصد الناخبون بالضرورة أن يتبنوا اعتقاد شارون بأنه يمكن العثور على قيادة فلسطينية سهلة القياد تقبل برؤيته لدولة تقام كيفما كان في هذه الأميبات الشبيهة ببانتوستانات جنوب إفريقيا. ولكن الجمهور أراد بوضوح أن يقول لليسار: كفى كلاما عن التفاوض على الأرض مقابل السلام مع عرفات وعصابته، وانتبهوا لأمننا.

شارون من جانبه لا يستحق بالتأكيد أي مديح على تحقيق الأمن (بله السلام أو الازدهار) في السنتين الفائتتين. إلا أن هذه الانتخابات كانت خفيفة على قلبه. ما صنعه هو أنه أسمع الجمهور تسجيلا لزعيم حزب العمل عمرم متسناع يتعهد فيه باستئناف التفاوض بدون شروط، من حيث توقفنا في طابا قبل سنتين. كان هذا كافيا لرسم صورة لحكومة محتارة ويائسة بقيادة العمل وميريتس تقدم التنازلات بشأن موضوعي الأرض وحق العودة عشية الانتخابات وتحت تأثير العنف الفلسطيني. وحتى يضمن شارون تأييد الجمهور، فيما لو لم يكن ذلك التكتيك كافيا، أكد على حقيقة تلبّد السماء بغيوم الحرب فوق العراق؛ والجمهور يفضل اختيار قيادة مجربة (وقيادة صديقة لجورج بوش) على قيادة يتصدرها رئيس بلدية حيفا غير المعروف وغير الكريزماتي.

الجانب من برنامج متسناع الذي لم يجرؤ شارون على مهاجمته ذو مغزى: إعادة الانتشار من جانب واحد وتفكيك المستوطنات. إنها فكرة لها شعبية بين الإسرائيليين. لقد أربك متسناع الإسرائيليين إذ أرفق بها استئناف التفاوض. وإذا كان يأمل في أن يعيد بناء حزب العمل وهو في المعارضة فعليه أن يتمسك بهذا الموقف.

بالنسبة للفلسطينيين فإن العبرة من هذه الانتخابات هي أن الانتفاضة دمرت إيمان الجمهور الإسرائيلي بتسوية معقولة عن طريق التفاوض في المستقبل القريب – هذه التسوية التي كان سيحصل عليها الفلسطينيون لو أنهم كانوا تفاوضوا بنية حسنة وبدون اللجوء إلى العنف، ولو أنهم اعترفوا بأن "حق العودة" أمر مناقض لوجود دولة يهودية. ولأن الفلسطينيين لن يستبدلوا بقيادتهم ولن يكفوا عن العنف، فهم في نظر معظم الإسرائيليين لا يريدون حلا عادلا.

وبغض النظر عن الحكومة التي سيشكلها فإن شارون، فإنه سيسعى الآن إلى الاستمرار في التلاعب بموضوع "خريطة الطريق" للحيلولة دون حدوث أية مفاوضات بسبب العنف الفلسطيني، أو لضمان أن يكون الخيار الوحيد أمام الفلسطينيين في المستقبل المنظور دولة انتقالية مبتورة تبعث على الأسى، تقام على جيوب مقطعة الأوصال.

في المدى القريب يبدو أن احتمالين اثنين فقط بإمكانهما تغيير مسار الأحداث. الأول حرب في الخليج تنتهي بأن تصبح الولايات المتحدة القوة المحتلة في العراق، وتريد واشنطن بعدئذ أن تكسب رضا العرب فتلتفت بشكل أكثر فاعلية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. والثاني تركيز الجهود من جانب اليسار والوسط في المعارضة البرلمانية الإسرائيلية للفت الأنظار فقط إلى الفوائد التي ستجنيها إسرائيل من الانسحاب من جانب واحد، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن الوقت غير ملائم لأي استئناف مثمر للمفاوضات.

حاليا لا توجد استراتيجية سلام واقعية عند بوش ولا عند شارون ولا عند عرفات. ويمكن لبوش أن يقتنع بتغيير رأيه. أما شارون فلا. وأما عرفات فلا. تم نشره في 3/2/2003 ©bitterlemons.org

يوسي ألفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية، جامعة تل أبيب.

=================================

وجهة نظر فلسطينية

صعود "الشارونية" عبر انتفاضة الأقصى
بقلم هشام أحمد

=================================

رغم أنه كان متوقعاً أن يربح أرئيل شارون الانتخابات الإسرائيلية، فقد كان لانتصاره الكاسح صدى مدوٍّ في مختلف القطاعات الفلسطينية. لا شك في أن هناك حاجة ماسّة لفهم العلاقة بين السبب والنتيجة: لماذا كسب شارون في الانتخابات وما هي القوى التي تؤثر في الناخبين في إسرائيل؟

إن نسبة الخسائر البشرية الإسرائيلية، مقارنة بالفلسطينية، كانت الأعلى في ظل نظام شارون. النسبة بين من يقتل من الإسرائيليين إلى الفلسطينيين تقلصت كثيرا في عهد شارون فبلغت إسرائيليا واحداً لكل ثلاثة فلسطينيين، بينما كانت في ظل سلفه إيهود باراك واحدا إلى عشرة وفي ظل بنيامين نتانياهو كانت النسبة قتيلا إسرائيليا لكل خمسة عشر فلسطينيا. بات أمرا ملحاً أن يسعى المرء إلى فهم نجاح شارون رغم هذه الظاهرة.

ثمة عند الفلسطينيين مدرستان في التفكير تحاولان تفسير الصعود الحالي للشارونية. الأولى تقول إن عسكرة الانتفاضة هي السبب الأساسي لعودة شارون المظفرة ليتصدر الحكم في إسرائيل. وبحسب هذا المنطق فإن تصعيد المقاومة الفلسطينية أدى فقط إلى ضرر وبيل أحاق بالفلسطينيين أنفسهم عن طريق استدراج ردود فعل عسكرية إسرائيلية موجعة، وعن طريق دفع كثيرين من الإسرائيليين إلى التطرف.

لذا فأنصار هذا الاتجاه الفكري ينفقون الجهد الجهيد لتقييد المقاومة بحيث لا تنال من المدنيين الإسرائيليين. وقد أومأوا أيضا إلى احتمال عرض سنة أو بضعة أشهر من الهدوء على حكومة شارون. هؤلاء الأشخاص يؤيدون سحب البساط من تحت قدمي شارون وعدم منحه مبررا لإيقاع مزيد من الأذى بالمجتمع الفلسطيني.

منذ البداية كان هذا الاتجاه يرى أن الانتفاضة تشكل خطرا جديا على برنامجه وعلى خططه التفاوضية. لذا عمل أنصاره بدأب لاستبقاء الزمام في يدهم، ولاستغلال الانتفاضة الفلسطينية فقط كأداة لاستئناف التفاوض. إنهم يرون استمرار المقاومة أمرا خطيرا ومشحونا بالعنف. ولكن، حتى ضمن هذا الاتجاه نسمع أصواتا تقول إنه حتى لو صعد شارون هجماته البربرية فإن على الفلسطينيين البقاء مكتوفي الأيدي، وأن يكسبوا المعركة بدمائهم. هؤلاء المفكرون يعتقدون أن على الفلسطينيين إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذه المرحلة.

وهناك طبعا اتجاه فكري مضاد له تحليلات وحلول مختلفة. هذا الاتجاه بقي سنوات عديدة ساكنا يتفرج على التحرك البطيء لعملية السلام، ثم أخذ يرى في الانتفاضة والمقاومة عملية تحرر وطني لا أداة لاستئناف العملية السياسية. هؤلاء الأشخاص يرون الانتفاضة عملية هدفها طرد الاحتلال، وسبيلا للوصول إلى الاستقلال في نهاية المطاف. ويرون أن الوضع الإقليمي الجامد غدا دعامة للاحتلال في الحرب الظالمة التي تشنها إسرائيل. هذا الاتجاه يلوم أيضا اليسار الإسرائيلي لقيامه "بتجميل" الاحتلال الإسرائيلي، ويتهمه بخلق المناخ الملائم لإنهيار العملية السياسية ولقدوم شارون.

هذا الاتجاه لا ينحي باللائمة على المقاومة في نجاح شارون، رغم أن شارون كسر القاعدة القائلة إن زعماء إسرائيل إنما يتخذون من مقدرتهم على توفير الأمن للشعب الإسرائيلي معيارا للنجاح. عوضا عن ذلك فهو يعتقد أن هناك أسبابا دفينة أخرى لوصول الوضع إلى حالته الحاضرة أهمها غياب اليسار الإسرائيلي على مدى السنتين والنصف التي مضت.

هناك خطران استراتيجيان مهمان على المجتمع الفلسطيني في المستقبل المنظور. الخطر الأول والأكثر إلحاحا هو التهديد الذي يشكله شارون على رمز الوطنية الفلسطينية، أي الرئيس ياسر عرفات. فشارون لا يخفي كراهيته للزعيم الفلسطيني. وما لم تتم حماية رمز الوطنية والدفاع عنه من جانب الفلسطينيين أنفسهم، فإنه سيكون في خطر داهم.

الخطر الملح الثاني جهود شارون الحثيثة لسحق الانتفاضة الفلسطينية، مما يعني مزيدا من الاغتيالات والاعتقالات والتجويع والاحتلال للشعب الفلسطيني. الخطر الاستراتيجي هنا يكمن في حقيقة أن هذا الوضع قد يصل، إذا ما تطور ليبلغ نهايته المنطقية، إلى درجة أن يدفع بعض الفلسطينيين إلى القبول بعملية تفاوض في غياب الانتفاضة (أي أن الاتجاه الفكري الأول سيخوض عملية سياسية لا طائل تحتها).

وأرى أن شارون، سواء أشكّل حكومة وحدة وطنية أم حكومة يمينية صرفا، فإن فحوى الفصل القادم من حياته السياسية (الأخير على الأرجح) لن تختلف كثيرا عن فحوى ما سبق من فصول. شارون مصمم على إدارة الصراع مع الفلسطينيين بالاستناد أولا وقبل كل شيء إلى آلته العسكرية وليس إلى المفاوضات. وبغض النظر عن شركائه الائتلافيين فقد حصل شارون لحزبه على ثلث مقاعد الكنيست الإسرائيلية؛ ومن الطبيعي جدا، والحالة هذه، أن يشعر أنه انتصر وأن يستأنف طريقه المعهود.

أفضل وقاية من هذا الخطر الحفاظ على خيار المقاومة، مع تسليحها ببرنامج سياسي واضح المعالم وجعل جميع الإسرائيليين، يساريين ويمينيين، على وعي تام به. يجب على كل إسرائيلي أن يفهم أن هدف الفلسطينيين هو إنهاء الاحتلال، وأن أمن كل إسرائيلي مرتبط على نحو لا انفصام له بأمن كل فلسطيني.

مهما قلنا فلن نؤكد بما فيه الكفاية على المدى الذي وصلت إليه معاناتنا. وما لم يتم التعامل مع الأمر بشكل إبداعي فقد نجد أننا عدنا إلى وضع نكون فيه رهائن للمواقف اليمينية الإسرائيلية – ليس لسنوات بل لعقود. الطريقة الوحيدة للانعتاق هي الحفاظ على توازن بين الانتفاضة والدبلوماسية. وقد قيل إن الدبلوماسية بدون قوة هي مثل الموسيقى بلا آلات. لا يجوز أن يطغى أحد هذين العنصرين على الآخر. المجتمع الفلسطيني متعود على الحوار الداخلي، ولكن كلما وصلنا إلى هذا التوازن بسرعة كان أفضل. أعتقد أننا سندرك ذلك في نهاية الأمر – السؤال هو: هل سندركه قبل فوات الأوان. تم نشره في 3/2/2003 ©bitterlemons.org

د. هشام أحمد أستاذ مشارك في العلوم السياسية في جامعة بيرزيت.

=================================

وجهة نظر إسرائيلية

شارون والفلسطينيون: فرصة أخرى
بقلم أمنون أبراموفيتس

=================================

إن فوز أرئيل شارون في انتخابات الكنيست على رأس قائمة الليكود منحه ما يدحض به الكليشيه المألوفة: فرصة ثانية لترك انطباع الوهلة الأولى. فحتى الآن كان يترأس حكومة تستند إلى كنيست انتخبت مع إيهود باراك. والآن غدا وحده على القمة، ومسؤوليته جسيمة مثل الامتحان الذي يواجهه.

في خضم التوتر الذي لا نهاية له بين الواقع والطموح يبرز شارون في القطب البراغماتي العقلاني. قد لا يكون تخلى عن الفكرة النزقة بالتمسك بمعظم المستوطنات والمناطق في الضفة الغربية، ولكن حماسته تصطدم بالحسابات التي لا عواطف فيها المتعلقة بمدى ما سيسمح له الرئيس جورج بوش بالقيام به. هذا ليس من صنيع "رجل الدولة" بالضرورة، ولكن يكفي اعتباره من لوازم البقاء. لا قبل لشارون بأن يسمح لنفسه بأن يصطدم ببوش، الأمر الذي سيضع حدا لحكومته ولحياته السياسية. ستكون هناك عندئذ انتخابات مبكرة مرة أخرى، وستجري هذه المرة على خلفية مغايرة تماما لما حدث في انتخابات كانون الثاني/يناير 2003، أي في جو من الخصام بدلا من الحب بين بوش وشارون، وسنرى شارون يتوجه إلى مزرعة سيكامور متقاعدا. الناخب الإسرائيلي، بغض النظر عن حكمه المتروي على مسألة "مقايضة الأرض بالسلام"، ليس ميالا إلى التصفيق لزعمائه عندما يفقدون الحظوة لدى البيت الأبيض.

كان هذا واضحا في الأشهر الثلاثة الماضية، عقب استقالة بنيامين بن إليعيزر ووزراء العمل الآخرين من الحكومة. لقد آثر شارون إجراء انتخابات مبكرة على تشكيل حكومة ضيقة تعتمد على أفيغدور ليبرمان. حقا لقد كانت في ذهنه أيضا حسابات تتعلق بالتنافس الداخلي مع نتانياهو، حليف ليبرمان (ويكفي أن نتذكر رد الفعل المضطرب لشارون في يوم الانتخابات الداخلية لليكود، عقب الهجمات على مومباسا وبيسان، لنفهم مدى أهمية هذه الحسابات بالنسبة إليه). مع ذلك لم يفكر قط في التخلي عن استعداده لإنشاء دولة فلسطينية – ليس دولة كاملة السيادة، ولا دولة ضمن الحدود المقبولة للفلسطينيين ولمؤيديهم- ولكن مع ذلك فهذا تحد لإحدى المحرّمات، وتحد لنتانياهو وليبرمان ولذلك القطاع من الجمهور الإسرائيلي الذي يعد أقرب من شارون إلى اليمين المتطرف (ونسبته الربع أو أقل فيما يبدو، ولكن أنصار هذا الاتجاه أقوياء داخل الليكود بشكل خاص).

لقد اتخذ شارون من رؤية بوش، كما عبر عنها في خطابه في 24 يونيو/حزيران 2002، نصا مقدسا. هذا هو القانون المكتوب. وأما تأويلاته، أو القانون الشفوي (تحديدا "خريطة الطريق" التي ترعاها وزارة الخارجية الأميركية) فهي عرضة للمناقشة والتحسين. المغزى العملي لرؤية بوش بسيط: الدولة الفلسطينية ستؤسس بحلول عام 2005، ولكن سيكون هناك أولا عام 2004 (العام الذي تجري فيه إعادة انتخاب بوش، وانتخابات الكونغرس حيث يأمل بوش أن يحافظ على الأغلبية الجمهورية الهشة)، وسنشهد قبلئذ اختفاء قوتين إقليميتين سلبيتين، اختفاء حقيقيا أو سياسيا، وهما صدام حسين وياسر عرفات.

بدونهما سيبرز نظام إقليمي جديد. ستتحرر الأردن من الضغط العراقي شرقا والفلسطيني غربا، وستقر فلسطين التي بدون عرفات وذات قيادة جديدة (أفرادها لم يفقدوا مصداقيتهم مع شارون حتى قبل خمس سنوات في سنوات حكم نتانياهو) بإخفاق الإرهاب، وسترسي صيغة مقبولة. لا لعرفات، نعم لفلسطين.

بشكل أو بآخر فإن هذا هو ما اقترحته على شارون في أواخر تموز/يوليو 2002 شعبة التخطيط في قيادة أركان جيش الدفاع الإسرائيلي: اصمد، وانتظر حتى يرحل عرفات وينسحب من المشهد، وحتى يذهب صدام وحتى يتم إنشاء جدار الفصل بين الضفة وإسرائيل. يمكن النظر إلى هذا كامتداد لموافقة شارون على تقرير لجنة ميتشل، ويمكن ربطه بتصريح شارون عقب تفجير الدولفناريوم بأن "ضبط النفس قوة"، وبمواقفه إزاء مهمتي الوساطة اللتين قام بهما جورج تينت وأنثوني زيني. في كل تلك المواقف تصرف شارون وكأنه مضطر إلى ضبط النفس بسبب شريكه في الائتلاف الحكومي: حزب العمل. ولكن حتى بعد انسحاب العمل فإنه لم يخرج عن خطه – ولا حتى لتنفيذ رغبته المعلنة بإبعاد ياسر عرفات.

إن جهود شارون لإعادة حزب العمل إلى حكومته، حكومة من الوسط ليس فيها جناح يميني ولا جناح يساري، تعكس نيته التمسك بسياسة ستحقق رؤية بوش. إن مدى إصرار بوش على تحويل رؤيته إلى واقع هو الذي يحدد المدى الذي سيبلغه شارون. تم نشره في 3/2/2003 ©bitterlemons.org

أمنون ابراموفيتس أحد كبار المعلقين في القناة الأولى للتلفزيون الإسرائيلي.

=================================

للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org