bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
ما لا يدركه الطرف الآخر
2 كانون الأول/ ديسمبر 2002، العدد 44
================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني
www.bitterlemons.org.
في هذا العدد
================================
><انعدام اللغة المشتركة
-بقلم يوسي ألفر
قد يبدو هذا مماحكة عبثية لولا أن الفلسطينيين يصرون دائما على مبدأ "الشرعية الدولية".
>< حيث يصبح السلام ممكنا
-بقلم غسان الخطيب
إذا أزيل سوء الفهم والتشويه، سنجد فجأة أن حل النزاع سهل.
>< حتى الآن، ولما يدركوا
بقلم شلومو بروم
لدى الفلسطينيين صعوبة في إدراك أن لكل من الطرفين روايته، وأن الروايتين مختلفتان.
>< القناع سيسقط متأخرا
مقابلة مع ريما حمامي
يبدو جنونا بعض الشيء أن يرضى المرء بجزء فقط مما كان في الأساس ملكا له.
=================================
وجهة نظر فلسطينية
حيث يصبح السلام ممكنا
بقلم: غسان الخطيب
=================================
في نزاع عميق ومعقد كهذا لا بد من توقع سوء الفهم تجاه الطرف الآخر. وينشأ سوء الفهم جزئيا من التباعد المتزايد وانعدام التواصل بين الجانبين، ولكنه ينشأ أيضا عن محاولات تشويه كل طرف مواقف الطرف الآخر، وعن الحفاظ على التحريض اللازم للإبقاء على المطالب الشعبية باستمرار الأعمال العدائية أو بتأييد هذا الزعيم أو ذاك. وهناك عوامل أخرى تتضمن الاختلافات الثقافية التي تزيد أحيانا سوء الفهم.
لهذه الأسباب جميعا فإن الجهود المبذولة لتقصي النوايا الحقيقية، والمغازي والتبريرات لمواقف وأفعال كل طرف تشكل مساهمة حقيقية في أي عملية توفيق، ولاسيما إن كانت جزءا من عملية سلام. ربما يتكاتف مثقفو الجانبين في حمل هذا العبء: ربما كانت نظرتهم أصفى، وكانت لديهم الفرصة للغوص عميقا في دوافع الطرف الآخر عن طريق التفاعل والحوار المباشرين.
من منظور فلسطيني فإن نتائج مفاوضات كمب ديفيد وما تلاها من تبادل للمواقف توفر نموذجا مثاليا لسوء الفهم، أو التشويه الإسرائيلي للموقف الفلسطيني. فكما كان متوقعا كانت مشكلة اللاجئين إحدى القضايا التي لم يتم تحقيق أي تقدم يذكر فيها في تلك المحادثات. ولمزيد من التحديد: بينما استمر الطرف الإسرائيلي في إصراره المعهود على رفض حق العودة أو/و رفض عودة أي لاجئين، أصرّ الفلسطينيون على أن يكون حق العودة، والعودة الحقيقية (بغض النظر عن الأرقام الدقيقة) جزءا من المكونات المختلفة لمشكلة اللاجئين.
لكن الانطباع الذي تولد بعدئذ لدى السياسيين ولدى الجمهور في إسرائيل كان مشوها. لقد سرى الاعتقاد بأن سبب الاستعصاء كان ببساطة أن الفلسطينيين لم يكونوا "جادّين" في اعتبار أن إنهاء الاحتلال هو نهاية النزاع. ظن الإسرائيليون أنه بعد قبول إسرائيل المطلب الفلسطيني الرئيسي بإنهاء الاحتلال استمر الفلسطينيون في التردد والتسويف لأنهم في الواقع غير معنيين بالعيش بسلام إلى جانب إسرائيل. لقد اعتقد الإسرائيليون فعلا أن الفلسطينيين إنما يستخدمون مسألة اللاجئين للتلكؤ من أجل إضعاف موقف إسرائيل عن طريق المطالبة بعودة أربعة إلى ستة ملايين لاجئ فلسطيني، والقيام "بغزو" الدولة اليهودية ديموغرافيا.
والحقيقة هي أن الفلسطينيين – الأغلبية الساحقة من الناس إضافة إلى القيادة – كانوا جادّين في استعدادهم للاعتراف الحقيقي بإسرائيل ضمن حدود 1967، وقد اتفق الفريقان على إنهاء الاحتلال وحل مشكلة اللاجئين. لم يكن ثمة أي نية لاستعمال حل قضية اللاجئين من أجل كسب موطئ قدم داخل أراضي 1948، فالفلسطينيون قد قدموا هذا التنازل الكبير منذ حين.
لكن الفلسطينيين صادقون أيضا – وبنفس المقدار – في إصرارهم على أن هذا النزاع لن يحل بنيّة حسنة دون العثور على حل لمشكلة اللاجئين يعكس الشروط ذات الصلة المنصوص عليها في القانون الدولي. وما كان على المفاوضات أن تعالجه، والحالة هذه، كان التوفيق بين ضرورة الاعتراف بحق العودة وممارسة هذا الحق من جهة، وبين الوفاء بالتزام الفلسطينيين الحقيقي بالاعتراف بدولة إسرائيل من جهة أخرى.
يلاحظ المرء أنه بسبب الأهمية الكبيرة للرأي العام في فلسطين وإسرائيل، وكذا إقليميا ودوليا، فمن المهم أهمية قصوى إيضاح نوايا الطرف الآخر استنادا إلى المصادر المباشرة، وبذا يتم تقليل الآثار المدمرة لسوء الفهم والتشويه التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد العداء وتعميق النزاع.
وإذا تخلصنا من سوء الفهم ومن التشويه فسوف نجد فجأة أن حل النزاع أصبح ميسورا. يكتشف المرء، مثلا، أن كل ما يريده معظم الإسرائيليين هو حدود عام 1967 مع توفر السلام والأمن، بالإضافة إلى علاقات إقليمية طبيعية والازدهار الاقتصادي. والحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، من الناحية الأخرى، هو الإنهاء التام للاحتلال من أجل التمتع بحق تقرير المصير وهو حق طبيعي وأساسي، وبالاستقلال، إضافة إلى حل مشكلة اللاجئين التي تضم عناصر مختلفة: الاعتراف بحق العودة، التعويض، إعادة التوطين، العودة إلى الدولة الفلسطينية والعودة إلى الديار الأصلية للاجئين.
الفلسطينيون يريدون التوصل إلى هذا الحل بطريقة لا تخلّ بحقوقهم الأساسية وحاجاتهم الحيوية. ولكنهم أيضا غير معنيين بالإخلال بالحقوق الأساسية والحاجات الحيوية للطرف الآخر. وإذا نظرنا إلى الأمر على هذا النحو فإن المطالب المشروعة للطرفين ليست متناقضة. في وضع يتم فيه الاعتراف المتبادل فإن السلام ممكن. تم نشره في 2/12/2002 bitterlemons.org ©
غسان الخطيب هو وزير العمل في الحكومة الجديدة للسلطة الفلسطينية. وقد عمل لعدة سنوات محللاً سياسياً وإعلامياً.
================================
وجهة نظر إسرائيلية
انعدام اللغة المشتركة
بقلم يوسي ألفير
=================================
في الواقع، فربما أنهم لم يمتلكوا لغة مشتركة قط. وما كان لا يزيد عن عملية سلام ناجحة مؤقتا ولدتها ظروف جيواستراتيجية ذات طابع عام، وما أدى إليه التفاؤل الناجم عن عملية السلام أخفى هذان الأمران تحتهما عدة سنوات حقيقة عدم امتلاك الطرفين لغة مشتركة في الحوار. لقد أدى إعلان المبادئ في أوسلو 1993 هو نفسه، بتأجيله قضايا الوضع النهائي، إلى التمويه على الثغرة الموجودة في لغة الحوار. عندما انهارت عملية السلام وانفجرت الانتفاضة الحالية قبل نحو سنتين انكشفت الثغرة على نحو مأساوي. ومنذئذ اتسعت اتساعا مريعا.
لا شك في أن الإسرائيليين والفلسطينيين من ذوي النوايا الحسنة يرغبون في تحسين التواصل. وهذا المقال، المكتوب بهذه الروح، ينظر إلى المسألة من وجهة النظر الإسرائيلية، مقرا في الوقت نفسه بأن لدى الفلسطينيين أيضا قائمتهم الخاصة من الشكاوى بشأن الدور الإسرائيلي في خلق هذه الثغرة في التفاهم.
أولا، الأسس التاريخية: بعض المشكلات تعود إلى إساءة التفسير وإساءة الاستخدام من جانب العرب/الفلسطينيين للأعراف والقرارات الدولية منذ سنوات كثيرة. والتشديد على ذلك قد يبدو مماحكة عبثية لولا أن الفلسطينيين هم الذين يصرون دائما على مبدأ "الشرعية الدولية". هاكم بعض الأمثلة الأكثر وضوحا:
وإضافة إلى هذه النماذج من سوء الفهم عند الفلسطينيين في الفترة التي سبقت الانتفاضة لا بد من أن نضيف الآن قائمة جديدة من التعميمات غير الصحيحة، والمصطلحات المبنية على سوء فهم التي تتسلل باستمرار إلى الخطاب الفلسطيني، وتجعل الحوار مع الإسرائيليين ممن يملكون النية الحسنة أصعب. على سبيل المثال: إن الدفاع عن "الترانسفير" (التطهير العرقي الموجه ضد الفلسطينيين) من قبل بعض الدوائر في إسرائيل أمر سيء. ولكن الفلسطينيين لا يحسنون صنعا إذ يصفون بـ "الترانسفير" مقترحات ذات طبيعة مختلفة جدا وذات صيغة مشروعة تماما، ومن ذلك ما تم تبنيه بعد قرون من عمليات حل النزاع دوليا من قبيل تبادل المناطق التي يسكنها المستوطنون اليهود وتلك التي يسكنها الفلسطينيون الإسرائيليون.
*التطلعات الإستراتيجية لأرئيل شارون رئيس الوزراء للاحتفاظ بالسيطرة على الضفة الغربية وغزة ربما تدعم، وتتحالف مع، حركة أرض إسرائيل الكبرى العقائدية، ولكنه لا يجوز الخلط بين الجانبين. إذا رغب الفلسطينيون في معارضة سياسات شارون فيما يتعلق بالأرض بفاعلية فعليهم على الأقل أن يفهموا الأسس الاستراتيجية والعسكرية لهذه السياسات، وليس الانغماس في المغزى العقائدي لها.
*يميل الفلسطينيون، لأن معظمهم محاصرون ومشرذمون بسبب السياجات والحواجز الإسرائيلية، يميلون إلى التنديد بحركة إعادة الانتشار من جانب واحد التي تدعو إلى إزالة المستوطنات وإقامة سياج يماشي إلى حد ما الخط الأخضر باعتبار أن هذه من تلك. وفي الواقع فإن هذا النمط من "الفصل" سيعطي الفلسطينيين سيطرة على مساحات أخرى من الأرض دون اضطرارهم لبذل أي التزام ودون الإضرار بأي عملية سلام مستقبلية.
*ثمة أغلبية من الإسرائيليين، من ضمنها كاتب السطور، تعارض عددا كبيرا من المستوطنات وتدعو إلى إزالتها، ولكن هذا لا يعني أن الإسرائيليين يسمحون بأي هجمات على المستوطنين. عندما يقول هاني الحسن وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية (هآرتس في تشرين الأول/أكتوبر2002) إن "المستوطنين لا يمكن اعتبارهم مدنيين" فهو بذلك لا يكون بعيدا أيديولوجيا عن الناطقين باسم الحركات الإسلامية الذين يقولون إن إسرائيل مجتمع عسكري، وجميع من فيه من اليهود بما فيهم النساء والأطفال هدف مشروع. لكن الإسلاميين على الأقل لا يحاولون إقناع الإسرائيليين بعدالة قضيتهم، إلا أن هاني الحسن، الذي يرسل إليّ بطاقة عند رأس السنة كل عام، يسعى فيما أعتقد إلى ذلك. ولذا فعليه، وعلى من يشاركونه طريقة تفكيره، أن يتنبّه جيدا إلى أن فهمه لحقيقة من هو المدني الإسرائيلي ومن هو غير المدني هو فهم غير مقبول عند كل الإسرائيليين. تم نشره في 2/12/2002 bitterlemons.org ©
يوسي ألفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية، جامعة تل أبيب.
=================================
وجهة نظر فلسطينية
القناع سيسقط متأخرا
مقابلة مع ريما حمّامي
=================================
bitterlemons.org: ما رأيك في العامل الرئيسي في عدم فهم الإسرائيليين للفلسطينيين؟
حمّامي: أعتقد أن هناك نوعين من الأمور الأساسية. الأول أنهم لا يدركون ماذا نريد وما الذي نحن مستاءون بسببه. والأمر الثاني هو أنهم لا يفهمون في الواقع كيف نعيش، ولأنهم لا يفهمون الأمر الثاني فإنهم لا يستطيعون فهم الأول.
يبدو بالنسبة إلينا غريبا جدا، لكنه هذا هو الواقع، أن معظم الإسرائيليين لا يفهمون أن كل ما نريده هو إنهاء الاحتلال. وبغض النظر عما نقوم به لا يبدو أن هذه الرسالة ترسخ في أذهانهم. لا يؤمنون أننا في أعماق قلوبنا قد تخلينا عن فكرة كل فلسطين التاريخية.
ثمة فرق بين أن تعرف وأن تؤمن. الإسرائيليون لم يؤمنوا قط بأننا قبلنا حل الدولتين. يبدو جنونا أن يقبل المرء جزءا فقط مما كان في الأصل ملكا له. لا يؤمنون في أعماقهم بأن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين تريد بقوة إنهاء الاحتلال، ولا شيء غير ذلك، وأن هذه الأغلبية انفصلت عاطفيا وشعوريا عن الأمل في استرداد فلسطين التاريخية.
ثانيا لا يعرف الإسرائيليون حقيقة حياتنا اليومية، وهذا الجهل مستمر منذ أمد. لم يكونوا يعرفون ذلك أثناء عملية أوسلو والفترة الانتقالية، ولهذا السبب لم يتمكنوا من فهم الانتفاضة. لقد اعتقدوا أن أحوالنا تحسنت وأننا في تقدم مستمر.
نحن نجد من الغريب حقا أنهم لا يعرفون ما هو منع التجول والإغلاق. يرون ذلك بشكل عرضي في نشرات الأخبار. لكن ليس عندهم فكرة عن حقيقة أوضاعنا. وألمس هذا كثيرا من خلال التحدث إلى الإسرائيليين. وما هو أكثر غرابة أن هذا الموقف موجود عند إسرائيليين معنيين بالوضع وعندهم توجه إيجابي.
bitterlemons.org: هل يمكن تقديم مثال؟
حمّامي: أتذكر أنني أخذت إحدى الناشطات المخضرمات في حركة السلام بإسرائيل لرؤية المستوطنات حول القدس. أصيبت بصدمة كبيرة. وقالت:"لا أريد حقا أن أرى ذلك، إنه يزعجني". فإذا كان هذا هو موقف الناشطين، فلا غرابة في أن الغالبية العظمى لا تريد أن تعرف.
هذا يحدث في معظم حالات الاستعمار والنزاعات القومية والعرقية: الجماعة المهيمنة لا تريد أن تواجه نتائج ما تقترفه بحق الجماعة التي تقع تحت الهيمنة. لهذا فإنه أصعب على الإسرائيليين أن يفهموا سبب حنقنا الشديد إذ نقدم تنازلا ضخما – يتمثل في القبول بـ 22 بالمئة (من فلسطين التاريخية) – لنجد أن هذا لا يعد كافيا بالنسبة إليهم.
bitterlemons.org: ماذا ترين نتيجة سوء الفهم؟
حمّامي: أضع معظم اللوم في الوضع الذي نحن فيه الآن على حكومة حزب العمل السابقة. [رئيس الوزراء السابق إيهود] باراك و[وزير الخارجية السابق شلومو] بن عامي هما اللذان صاغا وخلقا كل الأكاذيب التي استخدمها لاحقا [رئيس الوزراء أرئيل] شارون.
الآن يشعر الإسرائيليون بمخاوف ووسواس بأننا لا نريد السلام وبأننا نريد أن ندمرهم، وهذا ما أدى إلى انتخاب شارون. كل الشعور الفادح بالخديعة الذي أحس به الفلسطينيون بشأن عملية السلام دفن تحت "حقيقة" أننا نحن جميعا، بشكل ما، إرهابيون ونريد تدمير إسرائيل. هذه الحكومة اليمينية تستعمل هذا غطاء لإيذائنا، وتدمير السلطة الفلسطينية وإلقاء كل المشروع الوطني الفلسطيني في غياهب النسيان.
bitterlemons.org: ثمة من يعتقدون أن القناع سيسقط أخيرا، وأنه سيكون هناك إقرار بأن الأمر قاب قوسين، وأنه سيكون هناك صفقة. ماذا ترين أنه سيحدث؟
حمّامي: أعتقد أن القناع ينزع دائما بعد فوات الأوان. فلننظر إلى ألاعيب أميركا في أميركا الوسطى وفيتنام وفي قضية إيران–الكونترا. لقد ظهرت الحقيقة فقط بعد أن لم يعد لها قوة على تغيير الأمور.
أرى أن هذا النوع من الاستنزاف البطيء، والتدمير للمجتمعين سيؤدي في النهاية إلى يوم – لا أدري متى – نجد أنفسنا فيه مضطرين إلى إيجاد حل شكلي. قد يكون هذا في صورة انفصال من طرف واحد.
أحد الأشياء التي لا نراها، نحن الفلسطينيين، بوضوح أن هذا الوضع مؤلم جدا للإسرائيليين وأنهم يريدون العثور على مخرج. لكنه لن يكون مخرجا اضطراريا. آمل ذلك. لكن لا أعتقد أنه سيكون. تم نشره في 2/12/2002 bitterlemons.org ©
ريما حمّامي: متخصصة في علم الإنسان وأستاذة في معهد دراسات المرأة التابع لجامعة بيرزيت.
=================================
وجهة نظر إسرائيلية
حتى الآن ولما يدركوا
بقلم شلومو بروم
=================================
المفاوضات هي عملية تمثيل متبادلة للمواقف، وفيها يقوم كل من الفريقين بتوصيف مواقف الطرف الآخر محاولا فهم ما هو مقبول وما هو غير مقبول لديه. ويغدو الاتفاق ممكنا عندما ينجح الطرفان، خلال عملية التوصيف هذه، في التوصل إلى تسوية تؤدي إلى حل يرعى على نحو متساو المصالح الأساسية لكل طرف.
كان أحد الأسباب الرئيسية لنشوء صعوبات في عملية أوسلو منذ بدئها كفكرة عدم فهم كل طرف لحساسيات الطرف الآخر. وقد أسهم هذا كثيرا في تعميق عدم الثقة بينهما. وساعد في إفشال قمة كمب ديفيد، وفي انهيار العملية كلها بعدئذ.
في هذه الأثناء تستمر الاتصالات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولاسيما عبر القنوات غير الرسمية. وقد لاحظ المشاركون الإسرائيليون أن الفلسطينيين ما زالوا يحتفظون بسوء فهم فيما يتعلق بحساسيات الإسرائيليين و"الخطوط الحمر" بالنسبة إليهم. أحيانا يتساءل المرء إن كان الإسرائيليون والفلسطينيون يتحدثون اللغة نفسها (حتى عندما يكونون في الواقع يستعملون اللغة نفسها أي الإنجليزية أو العبرية أو العربية).
أول ما يجد الفلسطينيون صعوبة في إدراكه هو أن كلا من الفريقين لديه رواية، وأن كل رواية مختلفة عن الأخرى. ليس هناك أي إمكانية على الإطلاق لقبول الإسرائيليين برواية الفلسطينيين فيما يتعلق بولادة دولة إسرائيل وبتعريف الحق الذي يستند إلى هذا الحدث، وهم يوافقون على أن هذا يشكل أساس تحديد العلاقة بين الجانبين. لكل جانب تعريفه الخاص للحق. في نظر الجانب الإسرائيلي فإن التسوية العادلة يجب أن توفر حلا معقولا للحاجات الأساسية للجانبين، وأما مسائل الرواية والحق التاريخي فيجب أن تترك للمؤرخين.
لا يفهم الفلسطينيون بما يكفي شعور الإسرائيليين بالتهديد لوجودهم وبالخطر، وأحد أسباب ذلك ربما كان صورة إسرائيل كقوة إقليمية. ولا يقدرون مدى إسهام هذا الشعور بالتهديد في اعتقاد كثير من الإسرائيليين بأن مسائل مثل اللاجئين أو، حسب التعبير الفلسطيني، "حق العودة"، تمثل تهديدات لوجود إسرائيل. كما أن الفلسطينيين لا يدركون أن الإحساس الإسرائيلي بالتهديد هو الذي يملي المطالب الأمنية الإسرائيلية، وأن الأمر ليس ببساطة خطة أو مؤامرة "للانسحاب" ظاهريا من المناطق المحتلة، مع "البقاء" فيها في واقع الحال.
كان العنف الفلسطيني ظاهرة خبيثة واكبت عملية أوسلو، وأدت إلى حد كبير إلى فشلها. لم يدرك الفلسطينيون قط مدى عمق تأثير العنف الفلسطيني على تصور الإسرائيليين لإمكانات التوصل إلى تسوية سلمية معهم. لقد فهموا بالطبع أن الإسرائيليين لا يريدون العنف الفلسطيني، ولكنهم ظلوا يعتقدون أنه يصلح أداة يمكن توظيفها أو تعطيلها بحسب مزاجهم، وتجاهلوا الأثر المدمر لهذا السلوك على التفكير الإسرائيلي.
يرتبط سوء الفهم هذا بعدم إدراك الفلسطينيين الفرق في التناول بينهم وبين الإسرائيليين فيما يتعلق بالاتفاقات. التناول الإسرائيلي قانوني، ويلتزم بشدة بالنص الحرفي للاتفاق، ويصر على تنفيذه حرفيا. وكثيرا ما كان الفلسطينيون يسعون إلى اعتماد صياغات غامضة وحمّالة أوجه لتمكنهم من التصرف على نحو معين بينما هم يقولون إنهم يتصرفون على نحو مختلف، أو أن يقدموا تفسيرا مواتيا لمصالحهم في مرحلة لاحقة. ولا بد من أن نضيف إلى ذلك موقفا يتسم بقدر من الاستهانة بوجود الاتفاقيات نفسها. سوء الفهم هذا أدى إلى مزيد من تقليل ثقة الإسرائيليين بالفلسطينيين.
للمرء أن يلاحظ الفارق في موقف الإسرائيليين تجاه سوريا. فالإسرائيليون لا يحتفظون بالود للسوريين، ولكنهم يحترمون ذلك البلد للطريقة التي يلتزم بها بالاتفاقات التي وقعها.
مسألة اللاجئين تمثل نموذجا ممتازا على سوء الفهم كما استعرضناه آنفا، وثمة في المواقف الفلسطينية حتى الآن العديد من الأمثلة لكل ضروب سوء الفهم:
ريئوفان مرحاف: خدم في عدة دول في الشرق الأوسط الممتد، وكان مديرا عاما لوزارة الخارجية الإسرائيلية بين 1988 و 1991. وهو خبير في الشؤون العربية وزميل في معهد القدس للدراسات الإسرائيلية.
=================================
للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org