bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
رأس العامود وقضية القدس
28نيسان/أبريل 2003 العدد 16
================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني
www.bitterlemons.org.
في هذا العدد
================================
>< لا استراتيجية واقعية
بقلم يوسي ألفر
ما الذي صنعناه، ولماذا؟
>< القضية باختصار
بقلم غسان الخطيب
يعكس مشروع الاستيطان في رأس العامود أهمية وحساسية القدس بشكل عام
>< حي رأس العامود يحرس جبل الهيكل
مقابلة مع أوري أرئيل
هناك ثلاثة مبادئ للاستيطان اليهودي في القدس: الربط، والتقسيم، وملء الفراغ
>< تطهير المنطقة
بقلم عصام نصار
بينما "أغلقت" القدس بمعنى عدم السماح لأهالي الضفة الغربية وغزة بالدخول إليها، بدون تصريح إسرائيلي، هناك الآن فرصة لتطويق المدينة بجدار
=================================
وجهة نظر فلسطينية
القضية باختصار
بقلم: غسان الخطيب
=================================
الاستيطان في رأس العامود أحد المشاريع البارزة التي اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون أن يدفعها إلى الأمام بينما كان العالم الخارجي منشغلا بحمى الحرب على العراق. والمشروع الآخر كان نزع ملكية الأراضي لمشروع استيطاني من نوع آخر: ففي شمال الضفة الغربية كانت الجرافات تعمل بلا انقطاع في تشييد كيلومترات من الجدار الإسرائيلي. ولكن المستوطنة اليهودية في رأس العامود تمثل بشكل خاص خطرا من وجهة النظر الفلسطينية لأنها عبارة عن تغيير آخر في الوضع القائم بالقدس، بمعنى أنها خطوة إضافية على طريق السياسة الإسرائيلية العنيدة بتغيير الوجه الديموغرافي للقدس، الأمر الذي يؤدي إلى تعريض مفاوضات السلام للخطر.
كانت القدس دائما أحد محاور الخلاف الأكثر أهمية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد وضعتها اتفاقيات أوسلو من بين مسائل التفاوض على الوضع النهائي. وكانت أحد أكثر المواضيع التفاوضية صعوبة في كمب ديفيد في صيف عام 2000، قبل أن تنهار تلك المفاوضات. وتمثل مستوطنة رأس العامود صورة مصغرة تعكس أهمية وحساسية القدس بشكل عام. كما أن النزاعات بشأن القدس تجسد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بمجمله من حيث إنها تتضمن عناصر الأرض والسكان والمستوطنات الإسرائيلية والحدود النهائية. وهذا بالتحديد السبب في أن الاحتلال الإسرائيلي ظل يتبع سياسة حثيثة في سبيل استباق نتائج أي تفاوض عن طريق عملية تخطيط لا تفتر بهدف تهويد المناطق الفلسطينية من المدينة.
وقد قامت الحكومة الإسرائيلية بالسعي من أجل ذلك في كل اتجاه ممكن: ببناء المجمعات السكنية من أجل إضافة المزيد من السكان اليهود في الجزء الشرقي المحتل من المدينة الأمر الذي يؤثر على التركيبة الديموغرافية، وبحجب رخص البناء عن الفلسطينيين بهدف تقليل أعدادهم، وكذلك بسحب هويات السكان العرب في القدس الذين لا يتمكنون من توفير التشكيلة الكبيرة من الأوراق والوثائق الضرورية لإثبات أن "مركز حياتهم" هو في المدينة.
وفي الآونة الأخيرة تضخمت المستوطنات الإسرائيلية في القدس إلى درجة أنها أخذت تشكل استراتيجية جديدة تتمثل في تطويق المناطق التي يسكنها الفلسطينيون وفي منع توسعها. وعلى هذا يعيش الفلسطينيون في جزر متفرقة محاطة بالمستوطنات الإسرائيلية التي أقيمت على أراض فلسطينية مصادرة. وسوف تمثل مستوطنة رأس العامود الجزء الذي يغلق إحدى هذه الأطواق على نحو يقطع اتصال المناطق الفلسطينية بعضها ببعض ويمنع الاستقلال، وبشكل أعم يحول دون تطبيق جوهر الحل القائم على دولتين.
الخطأ الاستراتيجي الذي يقع فيه مخططو السياسة الإسرائيليون في الاستمرار في هذا النهج إنما يكمن في اعتقادهم بأن خلق حقائق جديدة لا بد من أن يكون ذا اعتبار في أي تسوية سلمية نهائية بغض النظر عن شرعية هذه الحقائق. وقد تجلّت هذه العقلية في الاقتراح الإسرائيلي لحل مشكلة القدس في مفاوضات كمب ديفيد. فقد اقترحت إسرائيل أن يقوم الحل على قيامها بضم ما تمت مصادرته من القدس الشرقية، وافترضت إسرائيل ببساطة أن على الفلسطينيين أن يقروا لها بالغنائم كأمر واقع نظرا للحقائق على الأرض، وبالمقابل يعطى الفلسطينيون قدرا محدودا من السيطرة على تلك الأجزاء من القدس الشرقية التي لم تحاول إسرائيل ضمها على مدى خمس وثلاثين سنة من الاحتلال. ولا حاجة للتذكير بأن هذه الصيغة لم تنجح وأنها السبب في الأزمة التي نجد أنفسنا فيها اليوم.
إن استراتيجية خلق الحقائق لن تزيد من مكاسب إسرائيل في المفاوضات النهائية، عندما نصل إلى تلك المرحلة، بقدر ما ستقلل من فرص إحلال السلام بين الطرفين. ولن يقبل الفلسطينيون، الذين يجدون سندهم الوحيد في القانون الدولي وسط عدم توازن القوى، لن يقبلوا أي اتفاقية تسمح لإسرائيل بالاستيلاء على أرض صودرت بالقوة، والقانون الدولي واضح جدا في هذه النقطة. وتشير بنود القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة إلى جميع المناطق التي احتلت عام 1967 كمناطق واقعة تحت الاحتلال العسكري الذي فرض بعد عمليات حربية. وقد وجدت هذه المفاهيم تعبيرا لها اليوم في خريطة الطريق التي صاغتها اللجنة الرباعية، ويظهر أنها تكتسب المزيد من الزخم الآن. ففي ديباجة هذه الوثيقة نقرأ: "ستحلّ التسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني وتنهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967 استنادا إلى أسس مؤتمر مدريد، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وقرارات مجلس الأمن 242، 338، و 1397، وإلى الاتفاقيات التي توصل إليها الفرقاء سابقا، وإلى مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله." إن إنهاء الاحتلال يعني إنهاء كل أساليب السيطرة على الفلسطينيين بما في ذلك محاولات تطويقهم أو جعلهم أقلية عددية بالقوة. تم نشره في 28/4/2003 ©bitterlemons.org
غسان الخطيب هو وزير العمل في حكومة السلطة الفلسطينية. وقد عمل لسنوات محللا سياسيا وصحفيا.
================================
وجهة نظر إسرائيلية
لا استراتيجية واقعية
بقلم يوسي ألفر
=================================
من ناحية فإن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ومجالس بلدية القدس نجحت على مدى خمس وثلاثين سنة منذ عام 1967 في "توحيد" المدينة، مما جعل تقسيم القدس مرة أخرى إلى عاصمة يهودية وأخرى عربية يزداد صعوبة باستمرار، كما أن حلّ النزاع عن طريق خلق عاصمة عربية فلسطينية مترابطة ومتواصلة جغرافيا في القدس غدا أصعب بكثير. ومن الناحية الأخرى فإن هذه الحكومات والمجالس البلدية نفسها غير قادرة و/أو لا تريد أن تعامل سكان القدس العرب البالغ عددهم 230 ألفا كمواطنين متساوين في الحقوق وليس لديها استراتيجية واقعية لتحديد وضعهم ضمن منظومة الاستيطان السائدة هناك.
في الفترة 2000/2001 عندما حاول رئيس الوزراء إيهود باراك والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات – ولما يجرب أي منهما حتى أن يبدأ في فهم احتياجات ومشاكل الطرف الآخر في القدس – التفاوض حول وضع نهائي للمدينة انتهى بهما المطاف، وبمساعدة الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، إلى مناقشة مسألة جعل جميع الأحياء اليهودية واقعة في العاصمة الإسرائيلية أورشليم، وجميع الأحياء العربية واقعة في العاصمة الفلسطينية القدس. كانت تلك الترتيبات الفجّة منطقية ديموغرافيا ولكنها معقدة ومرتبكة جغرافيا، لكن مع ذلك، وفي حال توفر سلام دافئ وإقامة طرق وجسور لوصل اليهود باليهود والعرب بالعرب وضمان اتصال جغرافي بين الضفة الغربية والعاصمة الفلسطينية، كان يمكن لذلك الحل أن ينجح. ولكن لم يكن يسهل إقناع الجمهور الإسرائيلي به؛ وعندما غدا معروفا سخط عرفات على مفهوم وجود جذور يهودية في جبل الهيكل/الحرم الشريف فقد تبددت الفرصة حتى لحلول سلام بارد.
منذ ذلك الحين استوطن الإسرائيليون في هار حوما (جبل أبو غنيم)، الذي يقطع التواصل بين القدس العربية وبيت لحم، وفي الآونة الأخيرة استوطن عدد من العائلات اليهودية في جزيرة معزولة محاطة بعشرات الآلاف من الفلسطينيين في رأس العامود.
ما الذي صنعناه، ولماذا؟
في عام 1967 قامت إسرائيل على وجه السرعة بإعادة رسم حدود القدس بناء على الافتراض الخاطئ بأن المجتمع الدولي سيجبرها قريبا على إعادة المناطق التي احتلتها في الضفة الغربية، وأن عليها أن تدافع عن البلدة القديمة وجبل الهيكل و"الحوض المقدس" (مدينة داود – جبل الزيتون) ضد القوة العربية المعادية المرابطة في مناطق محاذية. ولهذا فقد رسمت حدودأ بلدية جديدة تعبر في قرى عربية معزولة على التلال شرق المدينة، وتم إدخال منطقة المطار في قلنديا داخل حدود القدس لئلا تحاصر المدينة مرة أخرى كما حدث عام 1948.
جرت إقامة أحياء يهودية جديدة في شرق المدينة لضمان وجود موطئ قدم إسرائيلي. وعندما بدأ النشاط الاستيطاني الكبير في الضفة الغربية عام 1977 كان الهدف الرئيسي الحاجة إلى تعزيز قدس موسعة بمراكز سكنية يهودية إضافية لأغراض أمنية.
وسرعان ما ثبت أن الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، فيما يتعلق بالقدس اليهودية، غير ذات قيمة، فقد تم التوصل إلى سلام مع الأردن، وغدا واضحا أن دولة فلسطينية لن تشكل أي تهديد عسكري لأي جزء من إسرائيل. كان الغرض، ديموغرافيا، حجز السكان الفلسطينيين في منطقة محصورة داخل المدينة المتوسعة. ولم تشجعهم إسرائيل في أي وقت على نيل الجنسية الإسرائيلية، كما أنهم لا يرغبون في ذلك. والخدمات البلدية التي يحصلون عليها هي جزء ضئيل من تلك الخدمات التي يحصل عليها السكان اليهود. وفي الآونة الأخيرة فقد فصل الجدار الأمني، الذي أقيم لأسباب مشروعة، بعض السكان الفلسطينيين في القدس عن أماكن عملهم وتعليمهم.
في الواقع فإن إسرائيل لم يكن لديها في أي وقت استراتيجية محددة بشأن ثلث سكان القدس، ولم تقم قط بتكوين ردّ مقنع على مطلب كل الفلسطينيين بالاعتراف بمركزية وأهمية المدينة سياديا ودينيا وبلديا وحضاريا وتجاريا بالنسبة لهم، ومطلبهم بأن تكون عنصرا في أي حل مقبل. جدير بالملاحظة أنه باستثناء المحاولة المحدودة من جانب باراك في التفاوض، على نحو لا يستند إلى خطة معينة، فإن سياسات الحكومات الإسرائيلية والمجالس البلدية المتعاقبة، سواء من العمل أو الليكود كانت متشابهة في هذا الصدد. كانت تلك الحكومات والمجالس البلدية تأمل ببساطة، على مدى الخمس والثلاثين سنة المنصرمة، في أن تذوب المشكلة وحدها، رغم أنها كانت إنما تعمل على مفاقمتها باستمرار.
في أوائل التسعينات اقترح وزير داخلية إسرائيلي، وكان من الحمائم سياسيا، على الراحل فيصل الحسيني، وكان آنذاك المسؤول من جانب منظمة التحرير الفلسطينية عن ملف القدس، بأن يقوم مواطنو القدس الفلسطينيون بخطوة لحل المشكلة دفعة واحدة وذلك عن طريق التوقف عن مقاطعة انتخابات البلدية. فإذا صوتوا جميعا، وانضموا بذلك إلى المواطنين اليهود المتشددين في الدين، الذين يزداد عددهم باستمرار في القدس، ففي وسعهم أن يشكلوا أغلبية غير صهيونية في المدينة التي هي عاصمة إسرائيل، وبهذا يجبرون زعماء إسرائيل على التخلص منهم عن طريق إعادة تقسيم القدس.
وقد رفض الحسيني الفكرة لأن من شأنها أن تقدم اعترافا بضم إسرائيل للقدس الشرقية. وللأسف فإن المنهج الفلسطيني في العثور على حل كان مساويا في عناده وضيق أفقه للمنهج الإسرائيلي.
إن شعار "القدس الموحدة العاصمة الأبدية لإسرائيل" (الذي ما زال الليكود متمسكا به، لكن ليس حزب العمل) لم يكن في أي وقت منسجما، لا مع الوقائع على الأرض ولا مع الاستعداد الإسرائيلي المعلن للتفاوض حول موضوع القدس. المشكلة هي أنه لا بد من وجود حلّ وسط بشأن القدس إذا كان لنا أن نصل إلى نهاية للصراع، إلا أن رأس العامود وما أشبه ذلك من "حقائق على الأرض" تجعل هذا الأمر أصعب بمرور كل يوم. تم نشره في 28/4/2003 ©bitterlemons.org
يوسي ألفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب، وكبير مستشارين سابق لرئيس الوزراء إيهود باراك.
=================================
وجهة نظر فلسطينية
تطهير المنطقة
بقلم عصام نصار
=================================
كان وضع القدس محل نزاع بين الحركة الصهيونية والعرب الفلسطينيين حتى قبل نشوء دولة إسرائيل. آنذاك كانت المستوطنات اليهودية في القدس غالبا ما تقع إلى الغرب وإلى الشمال من المدينة رغم أن العرب واليهود أخذوا يختلطون في الأحياء الغربية. على أنه رغم هذا الوجود المتنامي لم يعط مشروع الأمم المتحدة بالتقسيم لعام 1947 القدس لأي من الجانبين. (وهذا لم يكن موضع خلاف بالنسبة للزعماء الصهيونيين الذين قبلوا رسميا التقسيم خلافا للعرب. وقد نقل عن دافيد بن غوريون أنه خطط لعاصمة تقع في مكان ما في النقب).
ولكنه في عام 1948، وفي وقت بدا فيه أن قوى معينة في كلا الجانبين توافق ضمنا على تطبيق مشروع التقسيم عن طريق الحرب، كانت القدس مسرحا لقتال مرير. من وجهة نظر صهيونية كان غرض المعركة على المدينة تأمين صلة بين المستوطنات اليهودية في القدس وما حولها وبين الجمهرات اليهودية الأخرى في الدولة اليهودية الجديدة. حارب الصهيونيون بقوة للاستيلاء على مفترق اللطرون المهم، وبعد أن انتهت الحرب طردت الحكومة الإسرائيلية السكان العرب من اللد والرملة في تموز/يوليو 1948. ولو كانت هاتان المدينتان تركتا على حالهما لأصبحتا عائقا أمام التواصل الجغرافي اليهودي بين تل أبيب والقدس.
وحتى قبل الحرب كانت هناك عدة حملات صهيونية هدفها تهجير القرويين من المناطق المحاذية للقدس. كان السعي مركزا من ناحية على خلق تواصل جغرافي يهودي وتأمين الطريق إلى القدس، ومن ناحية أخرى دفع العرب باتجاه الشرق إلى المناطق التي تسيطر عليها حكومة شرق الأردن أو ما كان ينبغي أن يكون الدولة العربية. في نيسان/أبريل 1948 كانت ثمة حملات شبيهة في الأحياء العربية في غرب القدس. ونتيجة لعملية نزع الملكية هذه فإن مناطق القدس التي تقع داخل الحدود الإسرائيلية كانت تقريبا خالية تماما من غير اليهود في أواسط عام 1949، عقب عقد اتفاقية الهدنة بين شرق الأردن وإسرائيل. كانت هناك بعض القرى العربية التي بقيت على تخوم القدس التي احتلتها إسرائيل، وعلى طول الحدود مع المناطق التي سيطر عليها الأردن، ولكن قرية أو قريتين فقط بقيتا فيما بين تل أبيب والقدس.
وهكذا فمن ناحية تاريخية كانت السياسة الإسرائيلية تتمثل في تطهير الأرض من الوجود العربي. وإذا كان لا بد من بقاء فلسطينيين فلا بد من عزلهم أو إخفائهم بحيث لا يلاحظ الزائر الإسرائيلي العادي أو الأوروبي وجودهم وبحيث يشعر بأن كل هذه الأرض إسرائيلية، وبأنها هكذا كانت على الدوام.
ويبدو أن منطقا مماثلا كان في ذهن الإسرائيليين بعد حرب عام 1967. ليس في مقدورنا الجزم بأن إسرائيل أرادت أن تحتفظ بكل المناطق التي احتلتها عام 1967، ولكنه كان واضحا بعد أن وضعت الحرب أوزارها بيوم واحد أن إسرائيل كانت تخطط للاحتفاظ بكل القدس تحت سيطرتها. كان أول ما صنعته إسرائيل تطهير "الحي اليهودي" في القدس من سكانه العرب الفلسطينيين. لقد طرد العرب من الحي وانتقل كثيرون منهم شمالا نحو رام الله حيث سكنوا الحي الحدودي، الذي تشكل كيفما اتفق، والذي هو الآن الرام. ثم إن إسرائيل هدمت حي المغاربة الواقع أمام حائط البراق مباشرة. وباشرت إسرائيل النشاطات الاستيطانية في القدس بإنشاء المستوطنة على التلة الفرنسية التي ستربط القدس بجبل سكوبس إلى الشرق، تلك الجزيرة التي كانت تحت السيطرة اليهودية وسط المنطقة العربية في القدس، وإنشاء مستوطنة النبي يعقوب. على نحو ما، جرى السعي إلى تحقيق هدف قطع القدس عن محيطها الفلسطيني ووصلها بالجمهرات اليهودية داخل إسرائيل، وهو الهدف نفسه التي كان الدافع وراء الهجمات التي شنت عام 1948 على القرى الواقعة غرب القدس.
كان هذا مؤشرا على بدايات خلق "طوق" حول القدس. وبمرور الزمن سيسمح هذا الطوق بإدخال أكثر من 200 ألف يهودي إسرائيلي إلى القدس العربية المحتلة. كانت العملية أسهل من جهة بيت لحم، إذ كانت توجد هناك مستوطنتا البقعة وتلبيوت الإسرائيليتان، والصلة الوحيدة بين بيت لحم والقدس كانت تتمثل في عدد قليل من القرى مثل صور باهر. وفي تلك المنطقة يقع جبل أبو غنيم المشجّر، والآن جرى هناك البناء في مستوطنة هار حوما التي كانت موضع نزاع قبل حين، لتقطع تلك الصلة مع المناطق العربية جنوب القدس.
من الجانب الآخر من المدينة تقع معاليه أدوميم في منطقة خلاء مع وجود سكان فلسطينيين فيما بينها وبين الوجود اليهودي في القدس. ويمكن لهؤلاء الفلسطينيين، عبر أريحا، أن يتصلوا بالفلسطينيين في الضفة الغربية. ولكن هذا، فيما يبدو، لن يدوم طويلا. وإسرائيل تقوم بالتدريج بإحكام الطوق هناك.
والآن، ومع تصاعد سياسة العنف والإغلاق في السنتين الأخيرتين وجدت إسرائيل الوقت الملائم لإغلاق القدس الشرقية تماما. وبينما يتم "إغلاق" القدس، بمعنى أنه لا يسمح لأهالي الضفة الغربية وغزة بالدخول إليها بدون تصريح إسرائيلي، فإن هناك الآن فرصة سانحة لإحاطة المدينة بالجدران. هذه الجدران، التي تقام ظاهريا للحيلولة دون دخول أهالي الضفة وغزة إلى القدس ولمحاصرة رام الله وبيت لحم وأبو ديس، سوف تؤدي، وهذا هو الأهم، إلى خنق القدس الشرقية العربية تماما. وفي الواقع فإن نقطة الضعف الوحيدة الباقية في هذا الطوق هي أن الفلسطينيين ما زالوا قادرين على الوصول إلى البلدة القديمة عن طريق أحيائها التي يسكنها الفلسطينيون وعن طريق حي رأس العامود الذي يفضي إلى أريحا ومن ثم إلى مناطق أخرى في الضفة.
وهنا يظهر على مسرح الأحداث الصهيوني اليميني إيرفينج موسكوفيتش. وسيتم إنفاق المزيد من ملايين موسكوفيتش، التي يكسبها من المسنين بفلوريدا الذين يقصدون صالات البنغو، على توطين اليهود في قرية رأس العامود الفلسطينية. والآن ومع وشك استئناف المفاوضات، (أو هكذا نسمع)، فإن الحكومة الإسرائيلية الحالية تفعل كل ما بوسعها لاستئصال آخر نقاط الاتصال الموجودة بين القدس والفلسطينيين الذين ينظرون إلى المدينة على أنها القلب الجغرافي والروحي والاقتصادي لهم. تم نشره في 28/4/2003 ©bitterlemons.org
عصام نصار المدير المشارك لمعهد الدراسات المقدسية، والمحرر المشارك ل"حوليات القدس".
=================================
وجهة نظر إسرائيلية
حي رأس العامود يحرس جبل الهيكل
مقابلة مع أوري أرئيل
=================================
bitterlemons: ما أهداف إنشاء حي يهودي في رأس العامود، في قلب القدس العربية؟
أرئيل: الهدف المركزي خلق تواصل يهودي بين المناطق المختلفة.
bitterlemons: ولكن في الواقع أليست هذه محاولة لقطع التواصل الفلسطيني، بين جبل الهيكل والأجزاء الشرقية من المدينة؟
أرئيل: نحن نهتدي، على طريق تطوير ودفع الاستيطان اليهودي في القدس، بهدي ثلاثة مباديء أساسية: الربط، الذي أسلفت ذكره قبل لحظة، والتقسيم الذي تركز حوله السؤال، وملء الفراغ، وأعني به شغل منطقة ليس فيها شيء.
bitterlemons: لماذا تعتقد أن ترسيخ وجود سكان يهود بشكل دائم في رأس العامود قد مر بهدوء نسبي؟
أرئيل: هذا سؤال عام عن القدس، لماذا كانت هادئة بشكل عام؟ أعتقد أن ذلك راجع إلى أن نسبة كبيرة من السكان العرب يتلقون خدمات بلدية، ويعرفون ما الذي يمكن أن يخسروه. كل يقوم بحساباته. ولكنني لا أملك معلومات كافية عن هذا الموضوع، ولست واثقا من أن هذا هو الجواب الرئيسي.
bitterlemons: ما استراتيجيتكم بشكل عام بخصوص نحو 230 ألفا هم عرب القدس؟
أرئيل:كنت سأقدم لهم جنسية إسرائيلية كاملة.وما كنت لأسمح لهم بحيازة جنسية دولة فلسطينية، على الأقل ليس في هذه المرحلة. وبحسب الأوضاع الحالية يجب أن يكونوا مواطنين عندنا رغم أن هذا يخلق عددا من المشكلات. يجب أن نسعى لضمان ألا يتحولوا إلى قوة جذب لعرب يهودا والسامرة بسبب الخدمات الاجتماعية، وألا يجروهم إلى القدس، مثلا عرب الخليل الذين انتقلوا للسكن في ضواحي القدس.
bitterlemons: ولكن معظم عرب القدس رفضوا الجنسية الإسرائيلية؟
أرئيل: سأترك المسائل المتعلقة بسلوكهم للخبراء مثلكم. أنا فقط أفهم سلوك اليهود.
bitterlemons: وكيف تنظر إلى موضوع القدس في إطار اتفاقية الوضع النهائي مع الفلسطينيين؟
أرئيل: من الصعب عزل القدس عن موضوع الحدود. يجب ألا نغير الحدود الحالية للقدس. يمكن لنا أن نبحث تعديلات حدودية لصالح الفلسطينيين، ولكن فقط في لحظة قوة أثناء المفاوضات، ومن موقع السيادة. أما اليوم فكل تنازل إنما يتم فهمه على أنه مقدمة لتنازل يليه.
bitterlemons: وماذا عن جبل الهيكل/الحرم الشريف في الوضع النهائي؟
أرئيل: يجب أن يكون جبل الهيكل تحت الحكم الإسرائيلي. هذا هو أقدس مكان عند الشعب اليهودي. السيادة إنما تحددها مجرد حقيقة أننا يهود. لقد أخذ الجبل منا بالقوة، ولا أرفض استعادته بالقوة، أو ربما عن طريق المفاوضات السياسية. الوضع الحالي لا يطاق، واليهود هم الوحيدون الذين يمنعون صعود "الجبل". يجب أن يتركز الاهتمام الرئيسي للسلطات الإسرائيلية على جبل الهيكل. ومهمة رأس العامود حماية جبل الهيكل.
bitterlemons: كيف تنظر إلى الخريطة الفسيفسائية التي خرج بها الرئيس بيل كلنتون ورئيس الوزراء السابق إيهود باراك، حيث يكون كل مكان يسكنه اليهود في القدس تحت السيادة الإسرائيلية، وكل مكان يسكنه العرب فلسطينيا؟
أرئيل: تلك ليست خطة. قلنا هذا آنذاك، عندما تم تقديمها، واليوم للأسف نقول: "ألم نقل لكم ذلك؟" ليس ثمة منطق هنا. كنا نرى إلى أين سيؤدي بنا ذلك. لكننا قد نتورط في هذه الخطة مجددا عن طريق خريطة الطريق التي هي نسخة من أوسلو، لكن أسوأ، ومن الباب الخلفي، عن طريق الحديث عن تجميد النشاط الاستيطاني وإنشاء دولة فلسطينية انتقالية.
bitterlemons: أخيرا، هل لك أن تتناول موضوع الجدار الأمني الذي يتم تشييده في المدينة؟ الجدار يفصل أجزاء من المدينة في بعض المواقع. ما هي العواقب بالنسبة لمستقبل حدود القدس؟
أرئيل: هذا جدار حماقة سياسية. خلف الأبواب المغلقة كلهم يقولون إنه لا حاجة لإقامته، لكنهم رضخوا للرأي العام. الجيش يقوم بالعمل بنفسه ثم يقول: "هذه مسألة من شأن السياسيين". كان يمكن استغلال المال في أغراض أمنيه أكثر جدية. هذه من أكبر الفضائح في المدة الأخيرة. وبالطبع سيكون هناك عواقب: قد يسهم الجدار جزئيا في تقرير حدود القدس، مثلما هي الحال بالنسبة لحدود إسرائيل كلها. تم نشره في 28/4/2003 ©bitterlemons.org
الميجر جنرال (احتياط) شلومو غازيت كان أول منسق لعمليات الحكومة في المناطق المدارة من جانب إسرائيل (1967 – 1974)، ورئيسا للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (1974 – 1979).
=================================
للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org