bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
العواقب الاجتماعية-الاقتصادية للنزاع

27 كانون الثاني/يناير 2003 العدد 4

================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني www.bitterlemons.org.

في هذا العدد
================================

>< نريد الشعور بالأمن
بقلم يوسي ألفر
أشد ما يخيف هو الإيقاع المحموم للأحداث العنيفة والسلبية، مما يتركنا متبلدين ولامبالين.

>< كفة الميزان تميل
بقلم غسان الخطيب
الفقر والحرمان وانحدار التعليم مرتع للتطرف والغضب.

>< مجتمع في العتمة
بقلم ليلي غاليلي
أبرزت الحملة الانتخابية الأخيرة في إسرائيل على نحو مؤلم الأثر المدمّر للنزاع على المجتمع الإسرائيلي.

>< حرب إسرائيل التجويعية
بقلم جميل هلال
إخضاع الفلسطينيين لضائقة اقتصادية خانقة عنصر أساسي في استراتيجية الحكومة الإسرائيلية لسحق الانتفاضة.

=================================

وجهة نظر فلسطينية
كفة الميزان تميل
بقلم: غسان الخطيب

=================================

بينما يتركز معظم الاهتمام المحلي والدولي بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي على مظاهره الأكثر إثارة وسطوعا – من قتل وتدمير، ومن معدات عسكرية متطورة – فثمة تغيرات دقيقة، لكنها مهمة، تحدث باستمرار، وهي أشد أثرا مما يبهر العين لأول وهلة. هذه التغيرات هي التي يمكنها في نهاية المطاف أن تؤدي إلى النتائج الأخطر على المدى البعيد.

كمجتمع، كان الفلسطينيون يتباهون بأنهم يتمتعون بنسبة تعليم مرتفعة بحسب معايير المنطقة. ربما كنتيجة لتجربتهم التاريخية وما مر بهم من أحداث فقد ركزوا دائما على تعويض خسارتهم المباشرة، السياسية أو الاقتصادية، بالانكباب على تحصيل تعليم جيد لتوفير فرص أفضل للجيل الصاعد بالرغم من الحرمان الاقتصادي والسياسي المتواصل.

وهنا نجد مثالا، بين أمثلة عديدة، يظهر كيف أن الأزمة الحالية تقوم في الواقع بتغيير نسيج المجتمع الفلسطيني والمسلّمات والمثل العزيزة على قلبه؛ فالفلسطينيون أصبحوا يجدون التزود بالتعليم لهم ولأبنائهم يقترب شيئا فشيئا من الاستحالة. لقد شهدت السنتان الماضيتان ممارسات إسرائيلية، من قبيل القيود الخبيثة على الحركة وفرض حظر التجول مطولا، أدت إلى هبوط مستوى التعليم أو تعطيله تماما في بعض الأحوال. لقد قتل نحو ثلاثمئة تلميذ خلال هذه الفترة وحدها. وهذا الواقع، الذي هو مدعاة للإحباط الشديد الآن، سيترك آثارا سلبية على المدى البعيد، وهذه ستمس بمستقبل شعبنا اقتصاديا وثقافيا وأيضا، وبدون شك، سياسيا. إن التدهور الاقتصادي الذي جعل خمسين بالمئة من قوة العمل تعاني البطالة، بينما يعجز 25 بالمئة عن الوصول إلى أماكن عملهم (ويبقون لذلك بدون أجور)، والفقر المستشري الذي أدى إلى وقوع نصف المواطنين تحت خط الفقر، والتدمير الفعلي للبنية التحتية الحيوية الفلسطينية أسهمت جميعا في إحداث تغييرات بعيدة الغور في المجتمع الفلسطيني لن تساعد في حدوث مصالحة لا في الوقت الحاضر ولا على المدى البعيد. إن الفقر والحرمان وقلة التعليم هي المرتع الذي ينتعش فيه التطرف والغضب والتشدد.

ليس هناك شك في أن عملية التحول إلى التطرف هذه، التي كان سببها العنف والإهانة والافتقار المريع إلى أي أفق سياسي وهبوط مستوى المعيشة هبوطا حادا، لا شك أنها تؤثر فينا بشكل عميق. كل يوم يمر يشهد ميلانا لكفة ميزان القوى في مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني، والميلان هو لصالح الأقل اعتدالا والأكثر غضبا ولصالح التطرف الصريح.

في فلسطين كانت القطاعات العلمانية من المجتمع تاريخيا النصير السياسي لعملية السلام، بينما كان المعسكر المعارض للمفاوضات يستمد قوة في الغالب من اليمين ويتمسك بأيديولوجية دينية أصولية. لذا فإن إخفاق عملية السلام وما نشأ عن ذلك من عنف متواصل أضعف كلا من معسكر السلام – وهذا أمر كان متوقعا -، والأغلبية العلمانية في المجتمع الفلسطيني. هذا التحول ستكون له عواقب سلبية في غاية الخطورة على المدى البعيد على المجتمع الفلسطيني وعلى اتجاه سير تطوره في المستقبل.

على هذا فبينما يمكن وصف الآثار الظاهرة والفورية للنزاع بأنها العنف وعدم وجود أي تطور سياسي في الوقت الحاضر، فإن الآثار بعيدة المدى المتمثلة في التغير الاجتماعي الاقتصادي العميق قد تسهم في إطالة أمد النزاع السياسي وإعاقة الوصول بالجمهور إلى حال من السلام والمصالحة في المستقبل. هذه الحقيقة يجب أن يتذكرها أولئك المحللون والساسة الذين يظنون أن التدخل الدولي مستحيل وأن الفلسطينيين والإسرائيليين إنما يحتاجون فقط إلى بعض الوقت حتى يصابوا بالإرهاق من النزاع. تم نشره في 27/1/2003 ©bitterlemons.org

غسان الخطيب هو وزير العمل في حكومة السلطة الفلسطينية. وقد عمل لسنوات محللا سياسيا وصحفيا.

================================

وجهة نظر إسرائيلية

نريد الشعور بالأمن
بقلم يوسي ألفر
=================================

كل ما يمكن أن نتعلمه من تجربة الخمس والخمسين سنة الماضية يشير إلى أنه عندما تشعر إسرائيل بالأمن فإنها تزدهر اقتصاديا واجتماعيا. وبالمقابل، فعندما يشعر الإسرائيليون بالتهديد تنخفض المؤشرات الاقتصادية الرئيسية في البلاد. الأمن يعني الثقة، ثقة المستثمر والمستهلك، المحليين والأجنبيين.

يمكن للشعور بالأمن أن يأتي من مصدرين: التفوق العسكري، وعملية السلام. بعد عام 1967 مثلا، لم يكن هناك عملية سلام، ولكن إسرائيل كانت مفعمة بثقتها بالذات نظرا لإنجازاتها العسكرية، ولئن كانت هناك مشكلات أمنية فقد بدا أنها محصورة في أماكن بعيدة كقناة السويس. وكانت النتيجة طفرة اقتصادية. وبعد عام 1991، من جانب آخر، أدى مؤتمر مدريد ثم عملية أوسلو إلى نشوء موجة من النمو الاقتصادي سببها توسع الإمكانات التجارية (الصين، الهند، الدول العربية) وتدفق الاستثمارات الخارجية على الصناعات التقنية المتطورة في إسرائيل.

سوف يشير المتشككون طبعا إلى أن الشعور بالأمن بعد 1967 كان زائفا – بأمارة حرب 1973 -، وإلى أن السلام لم يتطور أبدا إلى حد تتمكن إسرائيل معه من تعزيز تجارتها مع الدول العربية المجاورة بشكل مثمر. ولكن هذا إنما يؤكد ما نقوله من أن وجود انطباع بحلول الأمن، وليس حلول الأمن نفسه، هو الذي يولد ثقة المستثمر والشعور العام لدى الجمهور بإقبال الدنيا.

التطورات الاجتماعية–الاقتصادية التي حدثت في السنوات الأخيرة جعلتنا ندفع ثمنا باهظا أكثر مما يجب للتراجع في الأمن والثقة. إن العلل والثغرات التي أدخلناها إلى نظامنا المحلي من قبيل النفقات الحكومية الضخمة للإعانات بغرض تقليل حجم الهوة الكبيرة بين مختلف المداخيل، ووجود قطاع كامل هو المتدينون المتشددون يستهلك الموارد القومية دون أن يسهم في الاقتصاد، والاستثمارات الزائدة عن المعدل في البنية التحتية للاستيطان في الضفة الغربية وغزة، ووجود عدد من العمال الأجانب يوازي عدد العاطلين عن العمل عندنا .. جميع هذه الأعباء تكون تقريبا غير منظورة عندما يكون الاقتصاد في حالة نموّ بمعدل مرض. ولكنها تصبح غير محتملة عندما لا يكون هناك نمو أو عندما يكون هناك تآكل. كما أن التراجع الاقتصادي العالمي كان مما فاقم المشكلة، ولكن وضعنا أسوأ بكثير من الوضع في بلدان مشابهة لنا اقتصاديا، والتفسير الوحيد هو الإحساس العمومي بفقدان الأمن.

v وما يبدو أسوأ بشأن التراجع الاقتصادي الذي شهدته سنتان مضتا ونصف السنة – بالمقارنة مع الماضي الأبعد – هو التضعضع المجتمعي الموازي لذلك التراجع، وقد جلبه بشكل أساسي انهيار عملية السلام والهجمات الانتحارية الفلسطينية وما أدت إليه من خسائر غير معهودة. نحن ندفع ثمنا مخيفا يتمثل في تآكل حكم القانون والإعلام الوطني المستقل، والتدهور في مستويات التعليم، والفساد، وتنامي العنف داخل الأسرة وعند الشباب، واستناد المجتمع إلى عناصر القوة الهمجية بدلا من الحوار. ربما كان أشد ما يخيف هو الإيقاع المحموم للأحداث العنيفة والسلبية مما يتركنا متبلدين ولامبالين على نحو متزايد إزاء الخيارات الحقيقية التي ما زال في وسعنا الانتقاء من بينها، في انتخابات 28 كانون الثاني/يناير على سبيل المثال.

هل يمكن القول إن هناك أي شيء إيجابي قد نتج عن الثمانية والعشرين شهرا الماضية من الحرب الإسرائيلية الفلسطينية؟ من المؤكد أننا، مقارنة بما كان كثيرون من الفلسطينيين وغيرهم يتوقعون حدوثه في المجتمع الإسرائيلي، طورنا وأظهرنا درجة عالية من الترابط والمنعة. لم تتبلور أبدا حركة لتجنب الخدمة العسكرية أو التنديد بها. وفقدت مصداقيتها المدارس الفكرية القائمة على موضة "ما بعد الصهيونية" التي شككت في وضع إسرائيل كدولة يهودية. وبالمقارنة مع القيود التي تم فرضها على الحريات المدنية في الولايات المتحدة بعد 11 أيلول/سبتمبر بفعل تهديد أمني يتضاءل إذا ما قورن بوضعنا نحن، فإن سلوك إسرائيل فيما يتعلق بمسائل حقوق الإنسان تصبح أقرب إلى التفهم.

لكن أيضا، وضع الفلسطينيين الاجتماعي الاقتصادي تحت الهجوم وإعادة الاحتلال من جانب إسرائيل هو أسوأ بكثير جدا. (وهذا المقال يمتنع قصدا عن بحث أسباب النزاع ذاتها). وقد أظهر الفلسطينيون قدرة تحمل اجتماعية مدهشة. ومن وجهة نظر إسرائيلية فإن قدرة الفلسطينيين على اللجوء إلى نظام اقتصادي أقل تطورا وإلى منظومة ثقافية معيشية تستند إلى الحامولة أدت في جوانب معينة إلى تعزيز الترابط داخل المجتمع أكثر مما حدث في إسرائيل.

في ظل هذه الظروف، وبالنظر إلى غياب حتى أي مؤشر لوجود عملية سلام، فإن المبادرة الوحيدة التي يمكن تصور أنها ستبعث إحساسا بمزيد من الأمن والتي يمكن لها أن تبدأ بقلب الوضع هي "الانفصال": بناء سور على مقربة من الخط الأخضر، وتفكيك المستوطنات المعزولة خلف السور وفي قطاع غزة؛ بهذا نقلل بشكل جارف تهديد العمليات الانتحارية التي كان لها أثر اجتماعي–اقتصادي مدمر، ونعيد إسرائيل إلى الطريق الصحيح ديموغرافيا لتبقى دولة يهودية. إن جهودا حقيقية في هذا الاتجاه من شأنها أيضا أن تمثل استثمارا أكثر إيجابية ونفعا للمال العام من الطرق الالتفافية للمستوطنات وتوفير الحماية لها. وقد يوفر ذلك الفصل للفلسطينيين حافزا هم بحاجة إليه لينظموا هدنة من جانب واحد ويبدأوا الإعمار.

نأمل أن يكون هذا من المسائل الرئيسية على جدول أعمال المعارضة السياسية بعد الانتخابات في إسرائيل. تم نشره في 27/1/2003 ©bitterlemons.org

يوسي ألفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية، جامعة تل أبيب.

=================================

وجهة نظر فلسطينية

حرب إسرائيل التجويعية
بقلم جميل هلال

=================================

في سياق إجمال آثار سلسلة الأحداث الدائرة منذ أيلول/سبتمبر 2000 على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا بد من توخي الحذر في النص بدقة على أي الأشياء يؤثر في أيّها، بدلا من تناول المظاهر معزولة عن مسبباتها. هذا ضروري لتجنب الوقوع في فخ توجيه اللوم إلى الضحية، وهي ظاهرة غدت مألوفة في سياق الرواية السياسية غير الممحصة المطروحة الآن.

وعلى هذا فعندما نقارن الوضع الاقتصادي-الاجتماعي كما كان موجودا في السابق بالوضع الحالي نحتاج إلى تذكير أنفسنا بأن السبب الأساسي للتدهور الجارف ليس الانتفاضة نفسها، بل السياسات التي انتهجتها حكومات إسرائيلية متعاقبة لسحق الانتفاضة وإحباط أهدافها. والأهداف الأساسية للانتفاضة الثانية (أسوة بأهداف الانتفاضة الأولى) لم تتجاوز إنهاء الاحتلال وكل ما سببه: بناء مستوطنات كولونيالية على أراض مسروقة تطوق المراكز السكانية الفلسطينية، والإهانات اليومية، وتعطيل التطور الذاتي للمجتمع الفلسطيني؛ بكلمة موجزة الوقوف في طريق ممارسة الفلسطينيين لحقهم في تقرير المصير.

من العناصر الأساسية في استراتيجية الحكومة الإسرائيلية لسحق الانتفاضة إخضاع الفلسطينيين لضائقة اقتصادية خانقة. وقد طبق ذلك عبر سلسلة من الإجراءات. أولا، أغلقت إسرائيل سوق العمل الإسرائيلي أمام العمال الفلسطينيين، وكان ربع أفراد القوة العاملة الفلسطينية قبل الانتفاضة يعمل في إسرائيل. ثانيا، قامت الحكومة الإسرائيلية بتجزئة المجتمع الفلسطيني بضرب حصار على مدنه وقراه ومخيماته، مما جعل مستحيلا، أو في غاية الصعوبة في أحسن الأحوال، على العمال والبضائع الانتقال من منطقة إلى أخرى. ثالثا، دمرت الحكومة الإسرائيلية المؤسسات الرئيسية للسلطة الفلسطينية والرموز البسيطة للسيادة التي جلبتها السلطة معها. وقد تم هذا باحتجاز المستحقات المالية للسلطة، وبالتدمير المنظم للبنية المادية والمؤسسية لها.

وقد نشأ عن ذلك أن معدلات البطالة قفزت من 10% قبيل اندلاع الانتفاضة إلى خمسة أو ستة أمثال هذه النسبة (الأمر يعتمد على التعريف الذي يعتمده المرء للبطالة). وتسبب هذا في ارتفاع نسبة الفقر – والمعيار الذي اعتمده البنك الدولي هو دولاران يوميا للفرد – من 20% في عام 1999 إلى نحو 50% في أواخر عام 2002، ومن المرجح أن تستمر النسبة في الارتفاع مع استمرار استنفاد المدخرات والموارد الأخرى. الفقر هو ما ينذر به المستقبل لمعظم الناس بينما يتم إضعاف كل من القطاع العام والخاص واستنفاد مواردهما. كانت خسائر القطاع الخاص جسيمة سواء بالنظر إلى الطاقة الإنتاجية (وبالتالي طاقة التشغيل) أم بالنظر إلى الاستثمارات: المحلية والخارجية.

لقد تعرض القطاع العام الفلسطيني لضربة بالغة بتضاؤل عائداته الضريبية إلى نصف ما كانت عليه قبيل الانتفاضة، وبسبب بدء تناقص المساعدات الخارجية. تعرضت لنكسة كبيرة قدرة السلطة الفلسطينية على تقديم الخدمات الأساسية (من تعليم وصحة، وضمان اجتماعي، ومساعدات اجتماعية). وكانت نتيجة ذلك كله هبوطا سريعا في مستوى المعيشة، وتزايد الفقر وانتشارا واسعا لسوء التغذية وفقر الدم، ولاسيما عند الأطفال والمسنين والنساء. وإذ تقوم السلطة الفلسطينية كل شهر بتوفير المال من هناك وهناك بشق النفس لدفع مرتبات موظفيها (ومن ضمنهم المعلمون ورجال الشرطة والعاملون في مجال الصحة)، فإن هذا العسر يزيد من شعور كل عائلة بعدم الأمان والتهديد. وقد أضيفت إلى ذلك إعادة احتلال معظم المناطق الفلسطينية والهجمات اليومية التي تشن على المدنيين (من اغتيالات واعتقالات ونسف منازل وفرض لحظر التجول، إلخ.) كل ذلك يجعل المجتمع الفلسطيني مجتمعا مقلقلا وكأنه "استثمار مشحون بالمخاطر".

لقد نجحت الاستراتيجية الإسرائيلية بقيادة حكومة شارون المتمثلة في استخدام أقصى درجات الضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري والأمني من أجل قمع الانتفاضة، في خلق معاناة لا توصف وبؤس فادح في أوساط المدنيين الفلسطينيين، لكنها أخفقت في معالجة أسباب الانتفاضة الجذرية – الاحتلال العسكري الإسرائيلي وسياسات الاستعمار والفصل العنصري. ثمة براهين كافية في التاريخ تؤكد أن القمع والتجويع والإهانة لا تمنع الناس من أن يحلموا بحريتهم، ولا تقلل من استعدادهم للموت في سبيلها. تم نشره في 27/1/2003 ©bitterlemons.org

جميل هلال عالم اجتماع ومؤلف "التقرير الوطني الفلسطيني حول تقدير الفقر (الفقراء يتكلمون)،" الذي سيصدر قريبا عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي الفلسطينية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وهو أيضا كبير باحثين في مؤسسة مواطن في رام الله.

=================================

وجهة نظر إسرائيلية

مجتمع في العتمة
بقلم ليلي غاليلي

=================================

نحو مليون ونصف المليون من الفقراء؛ 300.000 عاطل عن العمل؛ النائب العام يحقق مع رئيس الوزراء أرئيل شارون؛ 550.000 طفل تحت خط الفقر؛ 12 امرأة، امرأة لكل شهر، يتم قتلها في السنة الماضية من جانب شريك حياتها؛ الشرطة الإسرائيلية تحقق مع زعيم حزب العمل عمرم متسناع؛ نحو 15.000 أسرة تضطر في السنة الماضية إلى إخلاء منازلها لعدم قدرتها على سداد أقساطها؛ نحو 150.000 شخص منهم الكبار في السن والمعاقون والقادمون الجدد ممن يحق لهم الحصول على سكن ينتظرون الإسكان بينما توقف أو كاد البناء داخل الخط الأخضر؛ تخفيض معونة الإيجار للمعوزين في السنة الماضية مما اضطر كثيرين إلى الانتقال للعيش في المناطق التي تتركز فيها البطالة على الأطراف أو خارج الخط الأخضر؛ الشرطة تحقق في فضيحة الفساد في الانتخابات الداخلية لعضو الكنيست من الليكود نعومي بلومنتال؛ وحسب تقارير الشرطة فإن نحو 40% من الناشئة في أوساط القادمين الجدد من الاتحاد السوفياتي يتعاطون المخدرات؛ ولجنة خاصة في الكنيست تحقق في الانخفاض في مستوى تعليم الرياضيات في المدارس الإسرائيلية.

هذا هو شكل المجتمع الإسرائيلي في 2003.

لأول وهلة يبدو أن لا صلة فيما بين هذه المظاهر، وأما علاقتها جميعا بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني فأشد خفاء. بعضها ذو صلة بالإعانات وبالاقتصاد، وبعضها مجتمعي، وأما ما تبقى فمسائل تتعلق بالنزاهة السياسية. إلا أنها جميعا ترتبط على أكثر المستويات أساسية بخيط واحد خفي ينتظمها: الفقر المتعاظم، فساد في الأعراف يزداد تعمقا، ديمقراطية تضعف، عنف فردي ينمو، انخفاض في مستويات التعليم، كلها من نتائج النزاع الدائر حاليا.

القاسم المشترك لهذه المظاهر هو أنها جميعا تنمو في العتمة. على مدى36 سنة، منذ حزيران 1967، كانت الأضواء في إسرائيل مسلطة على بقعة واحدة، على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وعندما يتم تسليط الضوء على بقعة واحدة فقط، يغرق كل شيء آخر في الظلام. ومعروف أنه في الظلام، وبعيدا عن الرقابة، يمكن أن تحدث تجاوزات كثيرة. كثيرون في إسرائيل أخذوا مؤخرا يستشهدون بعبارة للقاضي براندايس عضو المحكمة العليا الأميركية تقول "ضوء الشمس أقوى مطهر للجراثيم". وكان يشير أساسا إلى الشفافية المطلوبة من أجل الحفاظ على حياة ديمقراطية سليمة، ولكن ملاحظته يمكن أن تنطبق على كل مناحي الحياة، ببساطة لأن الضوء يساعدك على الرؤية، وفي العتمة لا ترى شيئا.

وعلى هذا فالعتمة تسهل تعاظم الفقر والجريمة والجوع والفساد. والمشكلة ليست فقط أن الوضع يجعل الموارد الاقتصادية والأموال رهينة بتطوراته على نحو يزيد الضرر الواقع على فئات كبيرة من المجتمع – وبشكل أساسي العرب والمتدينين المتشددين والقادمين الجدد، الأسوأ هو أن "الوضع" يجعل الموارد الذهنية والروحية مرهونة ومعطلة إلى درجة أنه يحيل المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع لامبال بأي شيء حتى مما يقع داخله أيضا.

حتى كلمة "الوضع" فإنها نتيجة "للوضع": مصطلح غائم أعيد تحميله بالمعاني وصار بديلا لبذل جهد صادق لإيجاد مخرج. وهو يشير عموما إلى الاحتلال المتواصل والهيمنة على شعب آخر، وإلى الهجمات الإرهابية المتكررة، وإلى مستوى القلق وعمق الألم اللذين صارا طابعا للحياة الإسرائيلية. بدلا من التعامل بشجاعة مع كل من هذه المعضلات فإننا نتكلم في العموميات عن "الوضع" وكأنه مشيئة إلهية لا سبيل إلى ردّها.

هذا التشخيص ينطبق بشكل متساو على اليمين واليسار الإسرائيليين. فكلا قطبي الساحة السياسية في إسرائيل مدرك تماما للثمن الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي الذي يدفعه الإسرائيليون في خضم النزاع الدائر حاليا. وبكلمات بسيطة فاليمين ما زال يقول إن الثمن له ما يبرره، أو إنه ليس هناك بديل، بينما لليسار وجهتا نظر. فثمة من يعنيه أكثر الضرر الذي تلحقه إسرائيل بجيرانها، وثمة من يشعرون بالقلق أساسا بسبب ما يلحق بنا نحن من ضرر.

وليس المعسكران متساويين. فعلى مدى السنتين المنصرمتين لم تبق الهجمات التي أزهقت أرواح 700 إسرائيلي، بينهم كثير من الأطفال، سوى مجال ضئيل للاعتبارات الأخلاقية. وبينما يركز معسكر متعاظم من اليسار على مسألة ماذا يفعل هذا كله بنا، فإن صوت هذا المعسكر يغرق وسط معمعة الهجمات الإرهابية والعمليات العسكرية في المناطق. في هذا النزاع فإن القضايا المتعلقة بما يسببه كل ذلك "لهم" وما يسببه "لنا" متشابكة ومرتبطة بشكل لا انفصام معه.

تقدم الحملة الإسرائيلية التي جرت مؤخرا في إسرائيل وعلى نحو مؤلم نموذجا للأثر المدمر للنزاع على المجتمع الإسرائيلي. في الواقع المعاش حيث تزداد البطالة كل يوم، ويهبط المزيد من الناس تحت خط الفقر كان متوقعا أن تتركز الانتخابات على هذه المسائل. ولكن هذا لم يحدث. مرة أخرى تركزت الدعايات الانتخابية في وسائل الإعلام على عرفات، وتم الترويج للأحزاب بصور الدبابات وهي تنطلق نحو الميدان، وبصور كلوز أب لهجمات إرهابية، من أجل حشد أصوات الناخبين. ونجح هذا الأسلوب.

فالضعفاء والفقراء الذين كان يجب أن يطالبوا بالتغيير لمصلحتهم هم، أيدوا مجددا النظام نفسه الذي وضعهم في هذا المأزق. لقد عدموا حتى الأفق الذاتي للنظر إلى مصلحتهم الشخصية.

يتبدى عمق اليأس من واقع أن هذه هي أول حملة انتخابية لا يعد اليسار فيها بالسلام، ولا يعد اليمين بالأمن. من جهة أخرى برزت الشكوك أثناء الحملة الانتخابية بشأن ممارسات الفساد في الانتخابات الداخلية لليكود، ووضعت وسائل الإعلام علامة استفهام كبيرة على سلوك عدد من كبار المسؤولين. لكن لم يهتم أحد. الجمهور لا يملك الكفاءة لتمحيص هذه القضايا فيما هو يتأهب لتلقي ضربة إرهابية عظيمة محتملة، أو بينما هو مأخوذ بضجيج الدبابات الإسرائيلية وهي تدخل المدن الفلسطينية.

وعلى هذا فتحت ستار من الظلام والضجيج واصلت دولة الرفاه انهيارها وظلت الديمقراطية تنحسر على مدى نحو 36 عاما. تم نشره في 27/1/2003 ©bitterlemons.org

ليلى غاليلي من كبار الكتاب في صحيفة هآرتس.

=================================

للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org