bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
العنف

26 أيار/مايو 2003 العدد 20

================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني www.bitterlemons.org.

في هذا العدد
================================

><في ظل الوهم
بقلم: غسان الخطيب
فترات العنف الإسرائيلي المركز لم تجلب للإسرائيليين لا سلاما ولا أمنا ولا اعترافا ولا اندماجا

><عندما لا نتفق على معنى العنف
بقلم: يوسي ألفر
نحن على الخط الأمامي من صراع بين الحضارات

><معالجة العنف: خريطتي نحو السلام
بقلم: إياد السراج
حتى يقلع السلام وينهض لا بد من بعض المبادئ. وأهمها التكافؤ

><استراتيجية لتدمير الذات
بقلم: أبراهام سيلع
من منظور تاريخي فإن العنف يطل برأسه ككارثة على المصالح الوطنية الفلسطينية

=================================

وجهة نظر فلسطينية
في ظل الوهم
بقلم: غسان الخطيب

=================================

كان العنف إحدى أهم صفات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد استخدمه الجانبان عمدا لتحقيق أهدافهما السياسية المنفصلة. في تاريخ الصراع تميزت فترات عدة بازدياد ثم بانخفاض استخدام القوة. ولكن بالنسبة لمعظم سنوات النزاع، منذ بداية موجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين وما تلاها من محاولات لوضع اليد على الأرض والأملاك التي تعود لأهل البلاد من الشعب الفلسطيني، وهو الأمر المستمر حتى في أيامنا، فإن العنف كان سمة مهمة لهذا النزاع.

وقد وصلنا مؤخرا إلى مرحلة يتصرف الكثيرون (وربما المعظم) فيها – ومن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني – في ظل وهم بأن الطرف الآخر يفهم لغة القوة أكثر من أية لغة أخرى. هذا برغم البراهين التاريخية على صحة العكس، حيث ثبت أن العنف لم يؤت قط ثمارا سياسية سواء للإسرائيليين أم للفلسطينيين. لم يحقق الفلسطينيون الذين يحاولون (والشرعية في صفهم) إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق حريتهم وحق تقرير مصيرهم وإنجاز دولتهم وحق العودة للاجئين، لم يحققوا تقدما بشأن أي من هذه الأهداف باستخدام الوسائل القائمة على القوة، غير أنهم حققوا تقدما – رغم ضآلته – بالوسائل السلمية. وأبرز الأمثلة على النجاحات الفلسطينية اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كقيادة شرعية فلسطينية إضافة إلى الانسحاب الإسرائيلي الجزئي والتدريجي من الأرض الفلسطينية حيث إنه سمح للمنظمة بتولي زمام الأمور. كل هذه الإنجازات حدثت أثناء عملية السلام وبسببها، وكانت بدأت بمؤتمر مدريد ووجدت تتويجا لها في التوقيع على اتفاقية أوسلو رغم عيوبها.

والإسرائيليون، من جهتهم، حاولوا تحقيق الأهداف المشروعة المتمثلة في السلام والأمن والاعتراف والاندماج الإقليمي ولكنهم لم يتقدموا خطوة واحدة نحو تحقيق هذه الأهداف عن طريق استخدامهم للعنف. لا بل على العكس، فإن فترات استخدام العنف بشكل مكثف من جانب إسرائيل، كتلك التي بدأت في 29 أيلول/سبتمبر 2000، لم تجلب للإسرائيليين لا سلاما ولا أمنا ولا اعترافا ولا اندماجا، وإنما أدت إلى مواجهة متواصلة مشحونة بروح الثأر.

ولم تتغير الظروف إلا خلال الفترات التي استخدمت إسرائيل فيها النهج التفاوضي السلمي – رغم البطء الشديد فيه – وذلك في صالح الأهداف التي تهم المواطن الإسرائيلي العادي. كانت السنوات بين 1997 و 2000 الأكثر سلاما وأمنا لإسرائيل خلال كل تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وهذه السنوات شهدت إنجازات متميزة في العلاقات الإسرائيلية العربية، وفي الاعتراف المتبادل، والتعاون والاندماج في المنطقة. لم تكن صدفة أن يلاحظ الصحافي الإسرائيلي المرموق داني روبنشتاين في الأسابيع التي سبقت اندلاع العنف الذي بدأ في أيلول/سبتمبر 2000 أن آخر هجوم فلسطيني على الإسرائيليين وقع قبل أربع سنوات من تاريخه.

لقد وصل الطرفان الآن إلى الذروة في استخدام القوة وبالتالي أخذ كل طرف يصر على أن الآخر يجب أن يتوقف أولا. والمخرج الوحيد من هذا المنطق الملتوي هو تطبيق جدول يتضمن خطوات مترافقة من الجانبين، أي تنفيذا منسقا لما تقضي به خريطة الطريق. معا وفي الوقت نفسه يجب على كل من الجانبين إصدار بيان يقرّ بالحقوق الأساسية للجانب الآخر ويلتزم بتحريم استخدام القوة. ثم بعدئذ، وفي وقت واحد أيضا، يجب على الطرفين وقف أعمال العنف بما لا يستثني العنف الإسرائيلي الهادئ المتمثل في محاولات مصادرة الأرض وهدم المنازل ومنع حركة المواطنين الفلسطينيين والبضائع بالقوة. وما لم يحدث ذلك فنحن نعلم من تجارب لا حصر لها أن استخدام القوة لن ينتج عنه إلا رد فعل مماثل. تم نشره في 26/5/2003. ©bitterlemons.org

غسان الخطيب هو وزير العمل في حكومة السلطة الفلسطينية. وقد عمل لسنوات محللا سياسيا وصحفيا.

================================

وجهة نظر إسرائيلية

لنبدأ بأنفسنا
بقلم يوسي ألفر
=================================

عندما قاد مناحم بيغن إسرائيل إلى سلام مع مصر في نهاية السبعينات، لم يشترط أي شيء بخصوص دمقرطة مصر. ويصدق الشيء نفسه على إسحق رابين عندما أبرم السلام مع الأردن عام 1994. لا بل إن رابين مضى شوطا أبعد من هذا مع تطور علاقته بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في الفترة 1993 – 1995: فقد قال علنا إن من شأن عرفات أن يجد التعاطي مع الإرهابيين الفلسطينيين الإسلاميين أسهل مما تجده إسرائيل، لأنه لن يحسب حساب مؤسسات إسرائيلية من قبيل محكمة العدل العليا وجماعات حقوق الإنسان. وهكذا اختار رابين ومن جاء بعده تجاهل الخصائص المتعلقة بالفساد والديكتاتورية التي أخذت تطبع بطابعها السلطة الفلسطينية.

وبالإفادة من مرور السنوات وما كشفته لنا، يبدو أن بيغن ورابين كانا محقين في عدم محاولة التدخل في البنى الداخلية للدول المجاورة لنا في سياق جهود السلام التي بذلاها مع مصر والأردن. واتفاقاتنا مع هاتين الدولتين مستقرة، ورغم أن السلام "بارد" فإنه صمد لتغير الأنظمة، كما ظل قائما رغم ثلاث سنوات تقريبا من الصراع العنيف مع جيراننا الفلسطينيين. من جهة أخرى، ثمة الآن إجماع كبير في إسرائيل على أنه لو كان رابين، الذي تمكن من التفاوض بنجاح مع الفلسطينيين بشأن خلق بنية أساسية ديمقراطية للسلطة الفلسطينية، لو كان أصرّ على أن يتبنى عرفات مزيدا من الإجراءات في سبيل مجتمع ديمقراطي فيما يتعلق بالفساد والتحريض، فإن الوضع ما كان ليتدهور إلى الأزمة الحالية.

ربما كانت ديناميكيات السلام هذه المتضادة بشكل حاد تعكس الحقائق المختلفة لعلاقات إسرائيل مع الدول المجاورة بإزاء الطبيعة الأشد تعقيدا بكثير للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. ولكن، ربما كانت المشكلة تتمثل في شخصية ياسر عرفات (مقابل شخصيتي أنور السادات والملك حسين)، حيث إنه يبدو غير قادر على الامتناع عن تأييد الإرهاب والتحريض. في هذه الأثناء أضيف إلى المعادلة عنصر جديد: التصميم الأميركي في الفترة التي أعقبت 11/9 على اعتبار أن الإرهاب الإسلامي العالمي مرتبط بغياب الديمقراطية في الدول العربية والدول الإسلامية الأخرى، بما في ذلك فلسطين.

حصيلة هذه التطورات كانت ظهور برنامج إصلاح فلسطيني، بضغط من أميركا وإسرائيل، صمم بحيث يبث في فلسطين مبادئ ديمقراطية إضافية من قبيل الشفافية المالية وحصر السلطة وأدواتها في أيدي النظام المنتخب. حتى الآن لم يسجل ذلك سوى نجاح محدود.

ولكن لنفترض جدلا أن فلسطين يحكمها نظام ديكتاتوري وأنها دولة بوليسية وقد نجحت في منع الأعمال الإرهابية الموجهة ضد إسرائيل تماما، وأن رئيسها قام بمبادرات غير اعتيادية للصلح تجاهنا مشابهة لما شهدناه من جانب السادات والملك حسين. ألا يكون الإسرائيليون ميالين لصنع السلام مع هذا الزعيم أكثر مما هو الوضع الآن، بغض النظر عن غياب الديمقراطية؟ هل كانت الولايات المتحدة عندئذ ستتبرم من مؤسسات النظام غير الديمقراطية بأكثر مما تفعل إزاء بعض جيراننا الذين يعيشون بسلام معنا رغم غياب بنية تحتية ديمقراطية متطورة عندهم؟

الولايات المتحدة ملتزمة حاليا بخطة راديكالية لدمقرطة الشرق الأوسط عبر نوع من العدوى المأمولة التي ستسري عن طريق دمقرطة عراق ما بعد صدام. من المبكر جدا الحكم على مدى فاعلية هذا الجهد. وغير واضح أيضا، حتى مع افتراض الصحة المطلقة لمقولة أن الدول الديمقراطية لا تدخل حروبا مع بعضها البعض، أن الديمقراطيات العربية ستكون أكثر ميلا لصنع السلام معنا.

في الوقت الحاضر يجمل بنا أن نهتم بديمقراطيتنا نحن. تشير دراسة مسحية صدرت مؤخرا عن معهد الديمقراطية بإسرائيل إلى أن الديمقراطية الإسرائيلية بخير على المستوى الرسمي والمؤسسي. ولكن تأييد الديمقراطية على المستوى الشعبي انخفض. فالإسرائيليون، مثلا، مهتمون بالزعيم القوي أكثر من اهتمامهم "بالحوار وبالتشريع"، ويسعى عدد متزايد منهم إلى وضع قيود على حقوق المواطنين العرب. ويظهر الاستطلاع أيضا أن المؤسسات الديمقراطية التي نفخر بها، كحقوق الإنسان وحرية الصحافة، تعاني من نكسة. ومعظم هذه الظواهر السلبية يمكن إرجاعها بشكل مباشر إلى الشعور بالحصار بسبب الإرهاب الذي يسيطر على عقول معظمنا، ويعكس الآثار اليومية السيئة للنزاع المستمر على المجتمع الإسرائيلي.

ولكن هناك أثرا بعيد المدى للمواجهة الإسرائيلية الفلسطينية تجاهلته الدراسة. فهي بحثت كيفية تفاعل الديمقراطية الإسرائيلية مع الإسرائيليين، وهذا مفهوم بالطبع. والسؤال الأشمل هو إلى أي مدى تستطيع إسرائيل أن تبقى ديمقراطية إذا بقينا نحتل شعبا آخر سوف يصبح عدد أفراده أكثر منا إذا استمررنا في تضييق خيارات حل الدولتين بقيامنا بالقوة بدمج اليهود والعرب فيما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط عن طريق الاستيطان الذي لا يقيده شيء. تم نشره في 19/5/2003 ©bitterlemons.org

يوسي ألفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب، وكبير مستشارين سابق لرئيس الوزراء إيهود باراك.

=================================

وجهة نظر فلسطينية

معالجة العنف: خريطتي نحو السلام
بقلم: إياد السراج

=================================

قليلون جدا مؤمنون أن "رؤية" الرئيس الأميركي جورج بوش ستتحقق عبر خريطة الطريق التي أعلن عنها. ليس فقط لوجود كثير من أعداء السلام المتمكنين الأقوياء في كل المعسكرات، وليس فقط لأن الجمهورين يعانيان حالة خطيرة من عدم الثقة واليأس. إن خريطة الطريق تعاني مشكلة في أساسها لأنها تتجاهل المبادئ الأولى التي يجب أن توجهها ولأنها لا تأتي على ذكر تفاصيل المشهد الختامي.

الشعب في الجانبين غدا مشبعا إرهابا وعنفا، وغدا مضطربا ومحتارا من المقايضات السياسية. لا أحد يعرف شكل أو حدود أو إمكانيات حياة الدولة الفلسطينية. ولا أحد يعرف إن كان سيعود لاجئون. ولا أحد يعرف مصير القدس.

من أجل أن يقلع السلام وينهض لا بد من بعض المبادئ، وأهمها التكافؤ. هذا لا يعني أن النزاع هو بين أكفاء. فالقوة الإسرائيلية الطاغية والتأييد الأميركي غير المشروط لا يقارنان بأي شيء في الجانب الفلسطيني، إلا توازن الإرهاب المأساوي الذي تم الوصول إليه مع إسرائيل عن طريق الهجمات الانتحارية. ولكن لا يجوز أن يعامل أي طرف بطريقة مختلفة عن الآخر. هذا المبدأ يجب أن ينطبق في كل المسائل، رغم أن الفلسطينيين قد يتنازلون طوعا عن حقهم في حيازة قوات مسلحة لأنهم يتفهمون أن إسرائيل يستولي عليها الخوف من أن الفلسطينيين سوف يستخدمون السلاح لاستعادة القرى والمدن الفلسطينية التي هي الآن جزء من إسرائيل.

ومن مسائل المبدأ أن يكون للمحاربين الفلسطينيين وضع معترف به وحصانة من المحاكمة في إسرائيل. فهم يؤمنون أنهم يحاربون دفاعا عن بلادهم وشعبهم. يجب أن يتم العفو عن جنود الجانبين والسماح لهم بالعودة إلى ممارسة الحياة بالشكل الطبيعي إلى أكبر حد ممكن، مع إفساح مجال للملاحقة القضائية الداخلية للضباط الذين أمروا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

إسرائيل يجب أن تعترف بحق الفلسطينيين في العودة، والفلسطينيون يجب أن يعترفوا بحق اليهود في العودة. إذا كان يسمح لليهود بالعودة بعد ثلاثة آلاف عام، فمن الطبيعي أن يكون للفلسطينيين الحق في العودة بعد أقل من ستة عقود.

في هذا الصدد ليس لأية أمة أو جماعة أو فرد أن يقول إنه يملك امتياز كونه "المختار". أنا، مثل كل إنسان، ومختار بنفس القدر، ولست خيرا من أحد.

المبدأ الآخر الذي يجب على الطرفين قبوله هو أن العنف لن يجلب إلا العنف، وأن اليهود المضطهدين قاموا، بطريقتهم هم، باضطهاد الفلسطينيين الذين قاموا، بدورهم، باضطهاد أنفسهم والآخرين. المجتمعان اليوم يعانيان حالة عنف مستفحلة. أثناء السنوات السبع الهادئة نسبيا من عهد السلطة الفلسطينية ارتفع العنف داخل المجتمع الفلسطيني بـ 300 بالمئة في كل عام. وقد شهدت إسرائيل ارتفاعا حادا في كل أشكال العنف، واليوم فإن معدل الانتحار في الجيش الإسرائيلي هو من أعلى المعدلات في العالم.

لهذا السبب فإن خريطة الطريق يجب أن تحتوي على بنود تتعلق بالمصالحة الداخلية إضافة إلى المصالحة عبر الحدود.

السلام يعني خلق طريقة حياة، وليس فقط صياغة معاهدة بين اثنين من الساسة. يجب أن يخضع المجتمعان الإسرائيلي والفلسطيني لعملية مصالحة قومية. على الفلسطينيين أن أن يمارسوا عملية حزن وندب على الأرض التي ضاعت وعلى البيوت وعلى الأحبة الذين قتلوا. هذه الفترة يجب أن تشهد عملية صفح وعفو عن المتعاونين مع إسرائيل بما يسمح لهم بالعودة إلى ممارسة حياتهم كالمعتاد.

وكذلك على إسرائيل أن تخضع لعملية إقرار بمسؤوليتها واعتذار عن الأذى الذي ألحقته بالفلسطينيين، مع تحمل مسؤولية تعويضهم. على إسرائيل أن تقر بإدانة العالم لاحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة وبأن هذا هو أصل البلاء. وفي الواقع فإن يهودا كثيرين حذروا من الآثار الضارة والمثبطة للمعنويات التي تلحق بهم لقمعهم شعبا آخر وإخضاعهم ملايين الناس الذين يريدون ببساطة حريتهم وحقوقهم. إن احتلالا وحشيا وطويلا قد أفرز بيئة غير إنسانية للفلسطينيين، وكانت النتائج مريعة. أكثر تطورات الانتفاضة الحالية مأساوية ابتداع واستخدام العمليات الانتحارية على نطاق مخيف. العمليات الانتحارية، الناشئة عن فشل الفلسطينيين في كسب الجولة على الإسرائيليين، هي التعبير الأقصى عن اليأس، وهي تعد بالثأر لا بالحرية. وبالطبع فإن أعمال "الإرهاب" هذه أضافت إلى ترسانة الدعاية الصهيونية التي تقول إن إسرائيل هي الضحية الوحيدة في النهاية، وتلك الأعمال تسهم في مزيد من كبت الشعور اليهودي بالذنب. ليس غريبا أن آلة الدعاية الإسرائيلية تمكنت من الربط بين العمليات الانتحارية الفلسطينية داخل إسرائيل وبين الإرهاب الدولي. والعمليات الانتحارية وقتل المدنيين داخل إسرائيل هو كل ما تحتاجه لإقناع العالم بأن اليهود ما زالوا يذبحون كضحايا الحقد العنصري والديني وبربرية "أولئك العرب".

ضمن أي اتفاق سلام يجب أن يقبل الفلسطينيون أن قتل الأطفال والنساء الأبرياء في الحافلات والمطاعم في تل أبيب والقدس جريمة يجب أن تكون مما يعاقب عليه القانون. وبينما من المعلوم أن العمليات الانتحارية شكل وحشي للانتقام من وضع غير إنساني يمثله الاحتلال، فإن هذا لا يبرر الإرهاب. من المأساوي أن العمليات الانتحارية ضد المدنيين أساءت إلى رسالة الإسلام وإلى مطالب الفلسطينيين بنيل الحرية.

إذا كان السلام طريقة حياة فالمقاومة بالوسائل السلمية يجب أن تكون طريقة الفلسطينيين للكفاح من أجل التحرر. المقاومة السلمية ستحرر فلسطين والفلسطينيين، لكنها ستحرر أيضا إسرائيل والإسرائيليين. ستتيح المقاومة السلمية للإسرائيليين فرصة للنظر إلى أنفسهم والإفصاح عن شعور الذنب المقموع في داخلهم، ولتحمل المسؤولية. وأما العنف فلن يدفعهم إلا إلى النظر إلى الخارج بحثا عن عدو. وعندما يعتذر الإسرائيليون عن الجرائم التي ارتكبت بحق الفلسطينيين فهذا سيساعد الطرفين.

بالنسبة للفلسطينيين فهذه ستكون فرصتهم للشعور بكرامتهم عندما يستجيبون بطريقة مشرفة قائلين: "نعم، نقبل عذركم ونقبلكم". من ناحية أخرى سيساعد الاعتذار الإسرائيليين في الشعور بإحساس صحي، وبترميم ذواتهم الجريحة بسبب حزنهم وخسائرهم وشعور الذنب المكبوت لديهم. تم نشره في 26/5/2003. ©bitterlemons.org

إياد السراج هو مدير برنامج الصحة النفسية المجتمعية في مدينة غزة.

=================================

وجهة نظر إسرائيلية

استراتيجية لتدمير الذات
بقلم: أبراهام سيلع

=================================

كان العنف بأشكاله المختلفة وما زال الصفة المهمة الرئيسية للنزاع بين اليهود والعرب في أرض إسرائيل/فلسطين منذ أن بدأ في أواخر القرن التاسع عشر. وبشكل أدق فإن العنف كان الميزة المتغلبة على كل ما عداها لرد فعل العرب على التحدي السياسي والمادي والثقافي الذي مثله المشروع الصهيوني.

كان العنف الذي قام به أفراد أو جماعات من العرب الفلسطينيين ضد المستوطنين اليهود رد فعل على شعور بالتهديد كان يمثله مجتمع المهاجرين الذي كان أجنبيا من ناحية ثقافية وكان يملك قدرات تنظيمية واقتصادية وتكنولوجية متطورة. وفوق ذلك فقد كان المشروع الصهيوني يتخذ لنفسه هدف تحويل الأرض برمتها إلى دولة يهودية الأمر الذي شكل تهديدا بانتزاع العرب من وسط ممتلكاتهم المادية والروحية – وقد بدا هذا التهديد وكأنه يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها عبر السنين -.

كان العنف العربي الموجه ضد اليهود يتشكل عموما من انتفاضات متفرقة ومؤقتة ولا سبيل إلى التحكم فيها إضافة إلى أعمال القتل المتواصلة التي يقوم بها أفراد بدافع ذاتي. وقد تطور هذان الشكلان إلى نمط من النشاط ليس فيه تفريق بين فئات الأهداف المختلفة، وموجه إلى المدنيين. وكان عدد كبير من الهبات العربية الفلسطينية العنيفة الأكثر طولا يشتمل على عنصر القتل داخليا، وهذا ناشئ عن التوترات الاجتماعية التقليدية التي لم يكن حتى الكفاح ضد العدو الصهيوني يستطيع أن يوقفها.

في الذاكرة الجماعية الفلسطينية غدا العنف المتصل الموجه ضد اليهود سلاحا مشروعا في سياق كفاح عادل لحماية الحقوق الأساسية للأفراد والشعب. لقد اتخذ الصراع العنيف للدفاع عن فلسطين وطبيعتها العربية ضد الغزاة الصهيونيين، سواء أكان في الإطار الديني بوصفه "جهادا" أم في المفهوم الوطني العلماني بوصفه كفاحا شعبيا مسلحا، اتخذ أهمية أخلاقية ملحة كانت البوتقة التي انصهر فيها وجدان الأجيال المتلاحقة في المجتمع الفلسطيني. وهكذا أصبح الشيخ عز الدين القسام، الذي كان رائدا في تطبيق الجهاد كواجب على كل المسلمين، رمزا وأمثولة لحركتي المقاومة العلمانية والدينية الفلسطينية على حد سواء فيما هما ترفعان راية الكفاح الشامل الذي لا هوادة فيه ضد إسرائيل.

لقد قال الفلسطينيون دائما إن العنف والإرهاب سلاحا الضعيف، ويمثلان رد فعل على عدوان الغزاة الأجانب الذين تدعمهم القوى الدولية. وفي غياب إمكانية المواجهة المباشرة مع قوات الأمن الإسرائيلية فإن استراتيجية الكفاح المسلح التي اختيرت مثلت أهدافا سياسية ودعائية حملت بما لا يقبل الجدل مميزات الإرهاب الموجه ضد المدنيين الأبرياء الذين تم تعريفهم كجزء من "الكيان العسكري الصهيوني".

لقد اتبعت الحركة الوطنية الفلسطينية نمطا من النشاط القائم على العنف منذ فترة الانتداب رغم الإخفاقات والكوارث التي لحقت بها. وفي الطرف المقابل فإن الهبات العنيفة من جانب الفلسطينيين عززت المخاوف على الوجود عند الآباء المؤسسين للحركة الصهيونية ودفعتهم إلى تطوير القدرات السياسية والتنظيمية والعسكرية بكل صورة ممكنة – لليشوف (المجتمع اليهودي في فلسطين قبل قيام الدولة)، ثم بعدئذ لدولة إسرائيل تحسبا لمواجهة شاملة وحاسمة. وفي الواقع فإن العنف العربي الشامل ساعد في تطوير عناصر القوة المختلفة في الصهيونية وإرسائها على مبدأي "الدفاع" و"طهارة السلاح" أخلاقيا، ومبدأ ضرورة استخدام القوة في نهاية المطاف.

لقد مثل العنف العربي الفلسطيني ضد اليهود والإسرائيليين في العادة فجوة لا سبيل إلى ردمها بين الأهداف والوسائل مما أدى بالضرورة إلى تدمير الذات. باستثناء اضطرابات 1929 عندما كان المجتمع اليهودي في خطر حقيقي فإن العنف والإرهاب العربيين لم يكن بمقدورهما أبدا توجيه ضربة قاضية إلى المشروع الصهيوني. كما أن دولة إسرائيل لم تواجه قط تهديدا لوجودها من جانب حلف عسكري عربي، باستثناء غزو الجيوش النظامية العربية في عام 1948. ولكن من المنظور التاريخي فإن العنف الناشئ عن أجيال متعاقبة من العرب الفلسطينيين يبرز ككارثة لمصالحهم الوطنية. حتى عندما يبدو في المدى القصير أن العنف يؤتي ثمارا سياسية كما في الكتاب الأبيض لعام 1939 أو بدء الحوار بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1988 خلال الانتفاضة الأولى، فإن القيادة الوطنية الفلسطينية فشلت على المدى الأبعد في الاختبار التاريخي المتمثل في التفريق بين الطموح والحقيقة، وأفلتت منها بشكل متكرر الفرصة لتحقيق جزء من أهدافها.

حتى معاهدة أوسلو فإنها لم تجعل المجتمع الفلسطيني يدرك الحاجة إلى الابتعاد عن العنف والتوجه نحو صنع السلام، حتى وإن لمجرد اتباع منطق الربح والخسارة. رغم التجربة التاريخية المرّة فإن القيادة الفلسطينية استمرت في الاعتماد على دعم العالمين العربي والإسلامي في صراعها مع إسرائيل، وفي افتراض أن هذا الدعم سيتحقق في سبيل تدويل الصراع. حقا لقد أصاب النجاح في عملية أوسلو بخيبة أمل كبيرة معظم أولئك الفلسطينيين الذين أيدوا أوسلو منذ البداية. ولكن في التحليل المتروي فإن انتفاضة الأقصى لن تخلد في الأذهان كمرحلة مجيدة للفلسطينيين، وبالتحديد ليس كمرحلة مجيدة للسلطة الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات. وكان مفترضا في هذا الأخير أن يقوم بدور الزعيم الوطني المسؤول ولكنه بدلا من ذلك عمل كموفر للخدمات لمقاولي العنف والإرهاب المحليين والتزم بالمثل غير الواقعية والمقدسة بدلا من محاولة تبديلها.

إن العنف والإرهاب الفلسطينيين، اللذين بلغا في الانتفاضة الحالية ذرى جديدة فيما يخص توالي الهجمات واتساع نطاق قتل الإسرائيليين، أكثر كارثية من أي وقت مضى، وفي المقام الأول بالنسبة للفلسطينيين أنفسهم. وبالنظر إلى مدى التقتيل الذي لحق بهم وبإسرائيل، والدمار الاقتصادي والمؤسسي الذي حاق بالفلسطينيين، خلافا للأذى الذي لحق بثقة الجمهور الإسرائيلي في أي اتفاقية مع الفلسطينيين وميل الجمهور الإسرائيلي إلى تأييد القوى اليمينية، بالنظر إلى كل ذلك فإن للمرء أن يتساءل: إلى أي مدى كان يمكن للفلسطينيين أن يصلوا اليوم في مساعيهم لتحقيق أهدافهم لو أنهم كانوا، قبل وأثناء الانتفاضة الأولى، تبنوا استراتيجية العصيان المدني واللاعنف القائمين على فكر غاندي وتلميذه الفلسطيني مبارك عوض؟ تم نشره في 26/5/2003. ©bitterlemons.org

د. أبراهام سيلع هو رئيس دائرة العلاقات الدولية في الجامعة العبرية بالقدس.

=================================

للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org