bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
دور الدبلوماسية العربية

25 تشرين الثاني/نوفمبر 2002، العدد 43

================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني www.bitterlemons.org.


================================
=================================

وجهة نظر خامسة
المبادرة العربية ودور الدبلوماسية العربية
بقلم مروان المعشر

=================================

لم يسبق أن كان الوضع الإنساني في الضفة الغربية وغزة، وإسرائيل بهذا القدر من السوء. لقد شهد العام الجاري انهيارا تاما للثقة بين الجانبين، مع تشدد، بل تطرف، في مواقف المعسكرين كليهما. وهذا لا يوفر المناخ الملائم لأي محاولات لاستئناف العملية السياسية، أو اتخاذ خطوات لخلق قوة دافعة جديدة قادرة على حل هذا النزاع الذي طال أمده. المستغرب أننا مع ذلك نشهد جهودا جادة لمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع بالنسبة للجانبين، ومعظم هذه الجهود تبذلها جهة لا يتوقعها الجمهور الإسرائيلي: الدول العربية.

بالنسبة للجمهور الإسرائيلي فإن هذا قد يبدو لأول وهلة وكأنه جزء من الدعاية السياسية العربية لا طائل تحته. لكن، اسمحوا لي أن أختلف مع هذا الرأي. دعوني ألخّص الخطوات المختلفة التي اتخذتها الدول العربية منذ بدء هذا العام في محاولة تقديم بديل جاد للخيارات السيئة التي يبدو أنه لا يوجد سواها فيما يتعلق بالنزاع. أزعم أن المبادرة العربية التي تم تبنيها بالإجماع في بيروت في آذار/مارس من هذا العام هي محاولة جادة لمواجهة احتياجات الطرفين دون مواربة وللتعامل مع هذه الاحتياجات على نحو مرض. فلننظر إلى صيغة المبادرة العربية فيما يتعلق بالاحتياجات الإسرائيلية:

*"اعتبار النزاع العربي–الإسرائيلي منتهيا": للمرة الأولى تلتزم الدول العربية بعرض جماعي لإنهاء النزاع مع إسرائيل. ربما كان هذا أحد أهم مطالب المواطن الإسرائيلي العادي – ضمان أن يكون النزاع قد انتهى وأنه لم يعد هناك مطالب أخرى على إسرائيل أو أراضيها من جانب العرب – كل العرب.

*"عقد معاهدة سلام مع إسرائيل، وتوفير الأمن لكل دول المنطقة": سيكون أمن إسرائيل، بحسب هذا البند، مضمونا بمقتضى معاهدة سلام جماعية واحدة مع كامل الضمانات الأمنية، وسيكون مؤكدا ليس من جانب الدول العربية المجاورة فحسب، بل من جانب جميع الدول العربية، بلا استثناء. وقد طالما كان هذا مطلبا إسرائيليا. رغم المخاوف العربية من إسرائيل، التي سببها احتلال إسرائيل لأجزاء من ثلاث دول عربية، فإنه ليس في وسع المرء إنكار وجود خوف حقيقي لدى الإسرائيلي العادي بشأن سلامته/سلامتها. والبند المذكور أعلاه يؤكد لإسرائيل أن مخاوفها الأمنية موضع تفهم، وأنها ستعالج من جانب كل الدول العربية.

*"إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل": هذا يشير إلى اعتراف كامل بإسرائيل وإنشاء علاقات طبيعية مثل تلك القائمة بين أي دولة عربية وأي دولة أخرى في العالم.

*"التوصل إلى تسوية عادلة يتم الاتفاق عليها لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194": لأول مرة يلتزم العالم العربي بحل يتم الاتفاق عليه لمشكلة اللاجئين، وفي هذا ما يجيب عن مخاوف إسرائيل من تعرض الطبيعة الديموغرافية للدولة اليهودية للخطر. تدعو المبادرة إلى حل عادل للمشكلة بما يتفق وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194، ولكنها تشير إلى أن تطبيق ذلك القرار يجب أن يتم الاتفاق عليه. النقطة الأساسية هنا هي أن العرب يدركون جيدا أن التطبيق يجب أن يكون نزيها وواقعيا في آن واحد، وأن يكون أيضا متفقا عليه. وبعبارة أخرى فإنه ليس هناك إمكانية لحل سيؤدي إلى تغيير طبيعة الدولة اليهودية. ولحسن الحظ فهناك العديد من الحلول المقترحة في طابا وغيرها بين المتحاورين الفلسطينيين والإسرائيليين التي تشير إلى إمكانية التوصل إلى تسوية عملية لهذه المشكلة.

صحيح أيضا أن المبادرة العربية تتناول الاحتياجات العربية: انسحاب إسرائيل من جميع المناطق التي احتلت عام 1967، وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. ولكن المفاوضات السابقة التي جرت بين إسرائيل والفلسطينيين ودول عربية أخرى تظهر أن هذه الأهداف هي في الواقع ضمن ما يمكن تحقيقه.

هذه تعهدات قوية من جانب جميع الدول العربية يجب ألا يتم تجاهلها. ولأولئك الذين قد تساورهم شكوك من النوايا العربية أود الإشارة إلى نقطة نادرا ما جيء على ذكرها. بالرغم من كل العنف الذي وقع في السنة الماضية وميل المواقف في العالم العربي إلى التشدد (كما في إسرائيل)، فإن أياً من الدول العربية لم تطلب سحب توقيعها من المبادرة العربية، رغم وجود فرص كثيرة للقيام بشيء كهذا. المبادرة العربية تثبت يوما بعد يوم قدرتها على الصمود.

رغم الأجواء القاسية فثمة عنصر جديد وإيجابي آخر ألا وهو ظهور دبلوماسية عربية قائمة على الفعل والمبادرة تتصدرها ثلاث دول عربية لها دور محوري في النزاع هي مصر والسعودية والأردن. جدير بالمرء ألا يستهين بالمساهمة الإيجابية للسعودية في العملية. فقد أكد السعوديون، بما لهم من مكانة مرموقة عربيا وإسلاميا، باستمرار استعدادهم للقيام بدور فاعل جدا في العملية مما يعني ضمان حصول رضا معظم الدول العربية والإسلامية. وهنا يجب أن نتذكر أن الأردن ومصر قد وقعا منذ حين اتفاقيات سلام مع إسرائيل. ولا تجوز الاستهانة بدور السعودية التي ليس لها أي نزاع على الأرض مع إسرائيل.

لم تقف الدبلوماسية العربية عند حد إطلاق المبادرة العربية. فمنذ إلقاء الرئيس بوش خطابه في 24 حزيران/يونيو 2002 معلنا التزام الولايات المتحدة بحل للنزاع قائم على دولتين في غضون ثلاث سنوات، والدول العربية الأساسية في هذا الشأن تعمل بلا كلل مع الولايات المتحدة واللجنة الرباعية لتطوير خطة واقعية لتطبيق هذه الرؤية: خطة تدرك إدراكا كاملا الحاجات الأمنية لإسرائيل وتتعامل معها. هذه الخطة يجب أن تكون قوية بما يكفي لضمان حياة خالية من سوء التغذية للأطفال تحت سن الخامسة. لقد أوضح الأردن موقفه من الهجمات الانتحارية من الجهة الأخلاقية والسياسية. ولكن، رغم أننا نفهم التأكيد على الأمن أولا، فإنه لا يجوز الاكتفاء بالأمن فقط. نحتاج إلى منح الناس الأمل بأنهم سيعيشون بدون احتلال وأن أبناءهم لن يعيشوا فحسب بل ستنتعش أحوالهم أيضا.

خريطة الطريق تضم كل ذلك. إنها تعرض سلسلة من الالتزامات المتبادلة من الجانبين، وأهدافا يجب تحقيقها للوفاء بهذه الالتزامات، وآلية مراقبة وتقييم من جانب الرباعية لضمان الوفاء بالالتزامات في الوقت المحدد. على أننا لا نصف الخطة بالكمال المطلق. وللفرقاء تحفظات على أجزاء منها، ولكنها تحتوي على جميع العناصر لإيجاد حل ناجح للنزاع إذا ما تم التمسك بها، وقبولها جملة لا تفاريق. إنها تمثل نفقا يمكن السير فيه، نعم..لا يخلو من المطبات، ولكنه يفضي إلى الضوء.

خريطة الطريق هذه يجب أن تؤدي إلى نهاية ناجحة ليس فقط للمسار الفلسطيني – الإسرائيلي، ولكن أيضا للمسارين مع سوريا ولبنان. نحن لا ننظر إلى شمولية الحل بوصفها تنازلا مقدما للعرب كما حاول بعضهم تصويرها. شمولية الحل تعني القدرة على تفعيل كل عناصر المبادرة العربية ولاسيما تلك التي أشرت إليها سابقا. نحن نأمل، على ذلك، في أن ينطبق إطار السنوات الثلاث على المسارات الفلسطيني، والسوري، واللبناني مع إسرائيل على نحو يمكننا من تحقيق سلام دائم وشامل في أواسط عام 2005.

هذا تصور متفائل، لكنه بالتأكيد ممكن. لدينا الآن إجماع دولي واضح على كيفية حل النزاع، وهو يتجاوز قرار مجلس الأمن الدولي 242. إنه يقترح حل الدولتين ضمن مدة زمنية محددة، وهذان عنصران كانا غائبين عن القرار الدولي المشهور. وعندنا – وهذا هو الأهم – الاستعداد والالتزام، المقيد بالوثائق، من جانب الدول العربية بإنهاء أطول نزاع عرفه القرن العشرون.

مرّ وقت كانت إسرائيل تتهم فيه العرب بعدم التقدم والمبادرة ليكونوا شريكا في السلام. واليوم، تواجه الدول العربية تحدي السلام وهي نشطة تماما في الأمر. نأمل ألا يقال لاحقا إن هذه الدول لم تجد هي شريكا هذه المرة.

هناك مخرج لكلينا. هناك بديل يسمح لكل شعوب المنطقة بأن يعيشوا في سلام وأمن وازدهار. ولكنه لن يتحقق ما لم نتقدم بجرأة إلى الأمام. فلنتقدم معا. تم نشره في 25/11/2002. bitterlemons.org ©

مروان المعشر هو وزير خارجية الأردن

=================================

للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org