bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
الحرب في العراق، الأزمة الدولية، والصراع

24 آذار/مارس 2003 العدد 12

================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني www.bitterlemons.org.

في هذا العدد
================================

>< مجتمع دولي أضعف
بقلم يوسي ألفر
من المرجح أن نشهد على المدى القريب جدا انخفاضا في الجهود الدولية الفعالة لمعالجة الصراع

>< مشكلة "ما بعد الحرب"
بقلم غسان الخطيب
الدولة نفسها التي ترعى عملية السلام أشاحت بوجهها عن المجتمع الدولي

>< بضائع تالفة
بقلم دافيد كمحي
إن ولايات متحدة تعتزل شؤون العالم ستترك فراغا في الساحة الدولية

>< لا تحتفلوا قبل الأوان
بقلم معين رباني
التحديات المقبلة كثيرة وصعبة وعنيفة، وربما تمس بالوجود

=================================

وجهة نظر فلسطينية
مشكلة "ما بعد الحرب"
بقلم: غسان الخطيب

=================================

بينما لم يظهر أثر مباشر أو فوري من آثار الحرب البريطانية والأميركية ضد العراق حتى الآن على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فنحن نرى من الآن مؤشرات في الأفق تتعلق بالنتائج الاستراتيجية البعيدة الأمد للحرب. أحد أوائل الضحايا المحتملين لهذه الحرب قد يكون الرباعية، وهي مجموعة العمل الرفيعة المستوى بشأن الشرق الأوسط التي تتألف من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة.

يرى الفلسطينيون– والعرب عموما – جهود الرباعية خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها تقلل الاحتكار الأميركي لعملية السلام، وتأتي بجهود دبلوماسية هي أقرب إلى مقتضيات القانون الدولي. وبالمقابل فإن المحاولات الدبلوماسية الأميركية الأحادية الجانب لم تثمر بسبب الانحياز الأميركي الصارخ لإسرائيل، وما نشأ عنه من عدم التوازن في التعامل مع الجانبين. إن التدهور في العلاقات بين الولايات المتحدة واللاعبين الدوليين الكبار الآخرين الذي حدث قبل هذه الحرب سوف يترك بدون شك أثرا مدمرا على مبادرات الرباعية التي كانت حتى تاريخه أفضل محاولات بناء سلام شرق أوسطي.

وقد سددت الحرب، التي لم تنل تصديقا دوليا، ضربة كبيرة إلى القانون الدولي وإلى دور الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن التابع لها. وفي الواقع فإن هذه الحرب قد يدخل كتاب التاريخ بوصفها نقطة تحول من وضع القوة المتعاظمة والاحترام اللذين اكتسبهما المجتمع الدولي إلى وضع تكون فيه القوة العظمى الوحيدة ليس فقط الطرف الذي يتجاهل الشرعية الدولية، بل الذي يستبدل بها الأحادية. تستند عملية سلام الشرق الأوسط إلى الشرعية الدولية وإلى الحاجة إلى التمسك بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وتطبيقها. والآن نرى الدولة ذاتها التي تشرف على عملية السلام قد أشاحت بوجهها عن المنبر الدولي وقررت أن تسلك السبيل الذي اختارته منفردة.

وفوق ذلك فليس ثمة شك في أن التحول في الاهتمام الدولي وفي اهتمام الإعلام والدبلوماسيين بعيدا عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سوف يقلل الضغوط الدولية التي كانت تحافظ على القدر اليسير من الهدوء. والفكرة التي قد تبعث في النفس التوجس هي أن خسائر جسيمة يتم إنزالها بالعراق قد توفر مبررا إضافيا، في عيون الأسرة الدولية، لهجمات إسرائيل على المدنيين الفلسطينيين الذين تحتلهم.

لقد كانت الإيماءات الأخيرة من جانب الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وكذلك من جانب دبلوماسيين مثل ميخيل موراتينوس وديفيد ساترفيلد، مشجعة من حيث إنها تجرأت وذكرت صراع الشرق الأوسط في هذه اللحظة البالغة التوتر. ولكنها لم تكن تبعث على الطمأنينة بما يكفي.

إن التصريحات التي تأتي من مسؤولين أميركيين صغار يحاولون إلباس تصريحات بوش ثوبا إيجابيا كانت تتعرض فورا للتصحيح من جانب مصادر إسرائيلية قريبة من الإدارة الأميركية. والتقييم العام كان أن أي مسعى دبلوماسي جديد لن يحدث إلا بعد حرب العراق التي يمكن للمرء أن يتوقع لها أن تدوم بأكثر مما أشارت إليه التقديرات المتفائلة الأولى. هذا التعطيل سيكون له أثر مباشر على رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد، فإذا كان رئيس حكومتنا الجديد، رغم كل النوايا الحسنة، غير قادر على الحصول على تسهيلات لشعبه – ولن يكون قادرا على تحصيل شيء ما لم يتم تجديد عملية السلام – فإن هذا سينعكس سلبا على نظرة الجمهور إليه، وإلى عملية السلام نفسها.

يحاول بعض المحللين أن يقارنوا الأحداث الجارية في الشرق الأوسط بنتائج حرب الخليج الأولى التي تميزت بأن جورج بوش الأب قام بعدها مباشرة ببدء محادثات الشرق الأوسط. وللأسف فإن هذه المقارنات تبدو غير صحيحة. ففيما سيستقبل تجديد عملية السلام بشكل إيجابي في المنطقة، وهو سيخفف أيضا من المشاعر المتنامية المعادية لأميركا، فهناك عوامل أخرى تجعل ذلك يبدو سرابا. أولا، هذه الحكومة الأميركية متحالفة على نحو لم يشهده العالم من قبل مع نظرائها من حزب الليكود اليميني في إسرائيل. وثانيا، بينما خرج جورج بوش الأب من حرب الخليج وهو ذو شعبية عالية، ينزلق ابنه في صراع صعب حلفاؤه فيه قلة واقتصاده أثناءه متأرجح.

لهذا السبب يشعر الفلسطينيون بشكل واضح بأنه ليس لهم أن يتوقعوا الكثير من الدبلوماسية الأميركية بعد الحرب. تم نشره في 24/3/2003 ©bitterlemons.org

غسان الخطيب هو وزير العمل في حكومة السلطة الفلسطينية. وقد عمل لسنوات محللا سياسيا وصحفيا.

================================

وجهة نظر إسرائيلية

مجتمع دولي أضعف
بقلم يوسي ألفر
=================================

مع بدء الولايات المتحدة حربها ضد العراق الأسبوع الماضي خلفت وراءها كومة من الحطام على المستوى الدولي لا يستهان بها: في الأمم المتحدة، وفي حلف الأطلسي، وضمن الاتحاد الأوروبي. وأما إلام ستؤول هذه الحرب فأمر ما زال غير واضح أبدا. ولكن محصلة هذا الخراب الدبلوماسي بالنسبة للنظام العالمي قد تترجم على الأرجح – في المدى القريب على الأقل – إلى انخفاض في الجهود الدولية الفعالة لمعالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وإذ ما زالت الحرب مشتعلة، ولمّا يصبح ممكنا استشراف عواقبها على الصعيد الدولي فإنه ليس في وسعنا إلا أن نحدس بشأن آثارها على الإسرائيليين وعلى الفلسطينيين. ولكن، ولأن الأمر في منتهى الأهمية فإن في إمكاننا بل وينبغي علينا، وبحذر، أن نحدس.

لقد غدا واضحا أن كلا من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة قد وهن في سياق التحضير للحرب، وما كان يسمى السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي غدا الآن قاعا صفصفا حيث أصبحت فرنسا وألمانيا وبلجيكا في خندق آخر مواجه للأعضاء الآخرين والدول المرشحة للعضوية فيما يتعلق بالموقف من العراق. وبينما يستمر الاتحاد الأوروبي ظاهريا في الموافقة على سياسة تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني – وفي الواقع فإن الإقرار الأوروبي المستمر بحل قائم على دولتين يتضمن مشاركة منظمة التحرير إنما يعود إلى أكثر من عشرين سنة – فإن عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على إجماع فيما يتعلق بالعراق قد يكون له تبعات على الساحة العربية الإسرائيلية أيضا.

وفي الأمم المتحدة فإن سلطة مجلس الأمن قد أضعفت بشكل كبير. فكيف ستعاد صياغته في المستقبل؟ وكيف سيتخذ قرارات بشأن إسرائيل وفلسطين؟ وإلى أي حد ستكون هذه القرارات فعالة؟ كل هذا سيكون معلقا. ولكن التشخيص على المدى القريب هو فيما يبدو أن فاعلية مجلس الأمن ستظل مقلصة.

ولنلتفت إلى اللاعب الأساسي: الولايات المتحدة، فإن هناك عددا من السيناريوهات المعقدة والمتنوعة لفترة ما بعد العراق تشير إلى وجود تشكيلة واسعة من الاحتمالات. فواشنطن أولا تدخل الحرب معزولة نسبيا في المشهد الدولي حيث ظهر منها سوء تقدير دبلوماسي كبير، وعجز عن الترويج لأجندتها الدولية، بدءا برفضها إلزامات معاهدات حماية البيئة والحدّ من انتشار الأسلحة، ومرورا بفشلها في مجلس الأمن بصدد العراق ونظام التفتيش، ووصولا إلى تصريحات وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفلد التي تتضمن قدرا من الاستخفاف بأصدقاء أميركا التقليديين في أوروبا. ولكن هذا الإهمال المتعمد نفسه من جانب واشنطن للمجتمع الدولي وهذا النهج الأحادي الجانب ينمّان عن شعور مغالى فيه بالقوة لدى الولايات المتحدة ظهر بشكل بارز عند المحافظين الجدد.

هذا التناقض ينعكس من خلال عدة سيناريوهات ممكنة. فإذا انتصرت الولايات المتحدة بسهولة في العراق، وتمكنت من معالجة المشاكل الداخلية المرتقبة في العراق بفاعلية، ومن التصدي للتعقيدات الخارجية، فإن ازدراء الإدارة الأميركية للأوروبيين وللعرب وللأمم المتحدة مرشح للازدياد. وهذا يشير إلى أجندة صقورية فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني تنسجم مع أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون.

وفي المقابل ففي حال تورّط القوات الأميركية الغازية في حروب أهلية عراقية لا سبيل للفكاك منها، وفي تمرّدات قبلية، ونزاعات بين الشيعة والسنة والأتراك والأكراد، وفي حال ازدياد الإرهاب والتحريض فإن الولايات المتحدة قد تسعى إلى استرضاء الدول العربية المجاورة والأوروبيين عن طريق تبني عملية سلام فعالة تتضمن وضع ضغط على إسرائيل – فيما يتعلق مثلا بتجميد الاستيطان وبانسحاب مبدئي إلى خطوط 28 أيلول/سبتمبر 2002 – ووضع ضغط على الفلسطينيين أيضا.

لقد شهدنا تفاعلا غريبا بين التوجهات الأحادية والمتعددة في السياسة الأميركية فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني عندما قدّم الرئيس بوش في 14 آذار/مارس بيانا سياسيا رسميا بشأن خريطة الطريق. من جهة أعلن بوش أن خريطة الطريق ستقدم في موعد أبكر مما كان ذكر سابقا، فبدلا من تأجيلها إلى ما بعد الحرب فإنها ستقدم إلى الطرفين عندما يتم تأكيد الفلسطينيين بأنهم عينوا رئيس وزراء جديدا بصلاحيات حقيقية. وقد اعتبر هذا تقوية لموقف الحلفاء القلقين مثل بريطانيا وتركيا والأنظمة العربية الذين واجهوا الانتقادات بأنهم تجاهلوا الصراع لصالح أجندة بوش العراقية.

ولكن من جهة أخرى فإن إعلان بوش قلّل من دور الرباعية، وبدا وكأنه يشجع محاولات إسرائيلية جديدة لتعديل خريطة الطريق، وهو موقف يعارضه شركاء واشنطن: الأوروبيون والروس والأمم المتحدة. وهذا يضعف اللاعبين أنفسهم الذين كانوا يدعون إلى سياسة أميركية فعّالة مبنية على المشاركة فيما يتعلق بالقضية الإسرائيلية الفلسطينية. ومن جانب آخر قد لا يكون كل هذا ذا شأن. فقد تكون الإدارة الأميركية ببساطة مشغولة جدا بعد العراق بتحديات محلية وعالمية بحيث لا تلقي بالا للصراع هنا. وبوش لم يكن يبدي في أي وقت سابق أصلا أي اهتمام بصنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ومع الإضعاف الواضح للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عبر أحداث الأشهر الأخيرة يتعين على الإسرائيليين والفلسطينيين أن يتذكروا أن معظم الاختراقات الحقيقية باتجاه السلام في الشرق الأوسط تاريخيا – زيارة الزعيم المصري أنور السادات إلى القدس، ومعاهدة أوسلو، والسلام بين إسرائيل والأردن – إنما حدثت بشكل ثنائي وسري ومن خلف ظهر المجتمع الدولي.

ولأن دورا دوليا معززا وسريا، أو اختراقا ثنائيا ليسا مرجحين، فكذلك ليس مرجحا أن يكون هناك عملية سلام إسرائيلية فلسطينية. تم نشره في 24/3/2003 ©bitterlemons.org

يوسي ألفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب، وكبير مستشارين سابق لرئيس الوزراء إيهود باراك.

=================================

وجهة نظر فلسطينية

لا تحتفلوا قبل الأوان
بقلم معين رباني

=================================

يذكر الغزو الأنجلو-أميركي للعراق تذكيرا مؤلما بصراعات الشرق الأوسط السابقة.

فهو يعيد إلى الذهن أزمة السويس عام 1956، إذ استنكره معظم العالم بوصفه نوبة مزاج إمبريالي غير مشروعة بشكل سافر، كما عارضته أغلبية واضحة في مجلس الأمن، وقد كان موضوع خلاف عميق بين الولايات المتحدة وأوروبا. وبالنظر إليه على أساس استناده إلى استراتيجية عظمى، للخيال فيها نصيب وافر وللغرابة نصيب، فإنه يذكرنا كثيرا بمحاولة أرئيل شارون المغامرة إعادة تشكيل المنطقة في عام 1982.

وقد تحمس أهل الحكم في إسرائيل لهذا الغزو باستمرار بوصفه ومضة البرق التي ستؤدي إلى حل كل مشكلاتهم العسكرية والسياسية والاقتصادية مجتمعة، وبهذا الوصف فإنه يشابه ذلك "التحرير" المشهور للأرض العربية في عام 1967.

إن وجهة النظر التي تقول إن إسرائيل ستخرج الرابح الإقليمي الأساسي من هذه الحرب وإن خصومها المختلفين سوف يحجمون أو يهزمون تماما أثناء العملية هي نظرية شائعة في كل الشرق الأوسط وبينما يتوقع بالتأكيد أن تكسب إسرائيل بطرق عديدة – فهذا أساسا أحد أسباب شن هذه الحرب – فإن الاحتفال يبدو سابقا لأوانه بعض الشيء. ويجدر بنا أن نتذكر أن انتصارات إسرائيل العسكرية في 1956 و 1967 و 1982 لم تؤد إلى أي حل في نهاية المطاف، لا بل هي تبدو في منظور تاريخي مهزوزة في الواقع.

هذا لا يعني الاستخفاف بالتحديات المقبلة، وستكون كثيرة وصعبة وعنيفة وربما أيضا تمس بالوجود. وباستخدامها التمويه الذي وفرته لها خريطة الطريق فإن إسرائيل سوف تسعى إلى توجيه رصاصة الرحمة إلى السلطة الفلسطينية، وتقوية سيطرتها على المناطق المحتلة أكثر فأكثر، وإلى الشمال فإن اشتباكا مع حزب الله هو في الواقع مسألة وقت لا أكثر. وكما أوضح الشارونيون في إسرائيل وواشنطن منذ مدة طويلة فإن سوريا وإيران مستهدفتان كل الاستهداف.

ورغم أن كل هذا مرعب بلا شك فإنه سيخلف أيضا عواقب لا سبيل إلى التكهن بها. فعلى الصعيد العملي ستكون هناك مراجعة للصراع العربي الإسرائيلي، بحيث نعود إلى شكل الصراع الذي كان موجودا قبل 1967 – لعبة يأخذ فيها الرابح كل شيء ويخرج الخاسر صفر اليدين، إما استئصال الصهيونية وإما استئصال القومية الفلسطينية من الخريطة السياسية في المنطقة- هذا في مقابل نضال لتحقيق سلام عادل وشامل على أساس تقسيمي. وكما حدث في العقد الذي تلا حرب 1948، لقد كان مطبوعا بطابع نضالات شعبية وسرية للمسّ بالحكومات العربية التي تخدم مصالح أجنبية وشهد ظهور حركات جديدة لتنظيم ورعاية هذه النضالات. وبكلمات أخرى فإن تغيير النظام ليس أمرا تقرره واشنطن وحدها. سوف تتخذ العملية منعطفات وزوايا غير محسوبة، ومن المرجح أن تؤدي إلى تعميق، لا إلى تخفيف، الصراع سواء مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة.

الأمر اللافت للنظر جدا حتى الآن هو عدد الافتراضات القائمة على الأماني بشأن النزاع الحالي من جانب مؤيديه: كان هناك افتراض بأن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي سوف يطيعان واشنطن عندما تظهر جديتها وعزمها على تحقيق مراميها، وافتراض بأن تركيا ستخضع بسهولة مع الوقت وباستخدام المال فقط، وافتراض بأن الجيش العراقي لن يحارب مما سيؤدي إلى تبخر النظام العراقي تلقائيا في اللحظة التي تبدأ فيها العمليات، وافتراض بأن التحدي العسكري الرئيسي الذي يواجه القوات الأميركية ينحصر في كيفية منع حبات الأرز وباقات الورود التي سينثرها العراقيون الممتنون عليها من تعطيل سير الدبابات.

سيثبت أن الافتراضات بشأن ما بعد الحرب سواء داخل العراق أو في المنطقة بشكل عام مبنية على الأماني على نحو مماثل. ولكن، وكما أثبتت حروب 1956 و 1967 و 1982 فإن الأمر قد يستغرق عقودا قبل أن يتم إدراك العبر الملائمة. التكهن الوحيد الذي يمكن القيام به ببعض الثقة هو أننا دخلنا دوامة صعبة. تم نشره في 24/3/2003 ©bitterlemons.org

معين رباني محلل لشؤون الشرق الأوسط

=================================

وجهة نظر إسرائيلية

بضائع تالفة
بقلم دافيد كمحي

=================================

أعلن الجنرال تومي فرانكس القائد العسكري لقوات التحالف التي تشن حربا في العراق أنه ليس هناك ذرة من الشك فيما يتعلق بنتيجة الحرب. كان الجنرال طبعا يتحدث عن الجوانب العسكرية. على أنه، بعيدا عن القتال وبعيدا حتى عن الترتيبات السياسية لعراق ما بعد صدام، تحوم في الأفق علامات استفهام كبيرة. سوف تسفر أزمة العراق الشائكة عن اختلال في الدور والمسار للتحالف الغربي ولحلف الأطلسي وللاتحاد الأوروبي، وبشكل خاص للأمم المتحدة. سيخرج هؤلاء جميعا منها كما البضائع التالفة.

إن إعادة هيكلة هذه البنى سوف تشغل بال العالم لأشهر وربما لسنوات قادمة. كيف ستجمع هذه القطع التي تفككت إحداها إلى الأخرى؟ الجواب على هذا السؤال سيقرر شكل العالم الذي سنجد أنفسنا نعيش فيه. إذا سار كل شيء على ما يرام، وإذا كانت الحملة العسكرية قصيرة وموفقة فإن هذا قد يخلق نظاما عالميا جديدا أفضل. ولكن الفشل قد يكون بداية لحقبة من عدم الاستقرار السياسي دوليا بحيث تنال الاضطرابات المحلية الاهتمام وتصبح أعلى مقاما من المصالح العالمية، وبحيث تصبح القضايا الإقليمية الضيقة قادرة على الحلول محل الأهداف الكونية.

إن خطرا من هذا القبيل سيكون واضحا للعيان بشكل خاص في الشرق الأوسط. فكيف سيتأثر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من نتائج حرب العراق؟ وهل سيخرج التوتر التركي الكردي عن السيطرة؟ وهل سينفرط عقد الاستقرار الهش في الأردن؟ وما هي المشكلات التي ستنشأ عند أنظمة مثل السعودية ومصر ودول الخليج بسبب نتائج الحرب؟ وهل سينجح المعتدلون في إيران في خلع نير التعصب الديني؟ إن الجواب الجزئي على كثير من هذه الأسئلة يمكن أن يستمد من القرارات المحورية للولايات المتحدة بعد أن تضع الحرب أوزارها، وفي المدى الذي ستؤثر به القضايا المحلية ولاسيما هدف إعادة الانتخاب على الخطوط العريضة للسياسة الخارجية للرئيس. لقد انتخب الرئيس بوش كزعيم محافظ ذي أجندة محلية وبميول نحو الاعتزال عن العالم. كان غرضه تحقيق ولايات متحدة قوية ومحافظة. ولم يكن ليدخل السياسة الخارجية في حساباته.

كل هذا تغير بعد الهجوم الإرهابي في 11 أيلول/سبتمبر، وخصوصا الآن والولايات المتحدة تواجه عواقب المشكلات الكبيرة التي عانتها على الساحة الدولية عشية حرب العراق. على أن الميل الأقوى لدى الرئيس وفريقه سيكون باتجاه التركيز على هذه القضايا المحلية التي ستضمن إعادة انتخاب الرئيس لولاية ثانية، وليس على قضايا السياسة الخارجية. إن رأب الصدع مع فرنسا وألمانيا وبلجيكا لن يأتي بأية أصوات، وبالمثل أية جهود لتقوية الأمم المتحدة التي كانت ضحية أساسية على الساحة الدولية.

إن جهدا حقيقيا لتطبيق خريطة الطريق الحالية، وللتحرك قدما باتجاه سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين سوف ينظر إليه كعامل تنفير للناخبين اليهود والمسيحيين المتشددين. لهذا فإن أي تحرك نحو تقليل العداء الذي ازداد في العالم الإسلامي نتيجة للحرب في العراق يدخل ضمن هذا الاعتبار أيضا.

فهذه إذا ليست أمورا مرغوب فيها يتوقع من الولايات المتحدة القيام بها بينما تقترب شيئا فشيئا الحملة الانتخابية. ومع ذلك فإن عدم اتخاذ كل تلك الإجراءات يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على النظام العالمي المستقبلي ولاسيما بالنسبة لدول الشرق الأوسط.

ستترك الولايات المتحدة في حال انتهاجها نهجا اعتزاليا فراغا خطرا في الساحة الدولية. لقد فقدت الأمم المتحدة إلى حد كبير المصداقية ولا يمكن لها أن تتصرف كرجل شرطة للعالم. الاتحاد الأوروبي مشتت القوى. هناك الآن حاجة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى لسياسة خارجية أميركية نشطة يمكن لها أن ترأب الصدع وأن تستعيد تحالفا أميركيا أوروبيا قويا من شأنه أن يباشر في تحييد المخاطر المحتملة، ولاسيما في الشرق الأوسط، ومن هذه المخاطر إيران، وقد يكون منها ليبيا إذا ما استمرت في خطتها للحصول على أسلحة دمار شامل.

بدون انغماس دولي من هذا القبيل فليس هناك للأسف كبير أمل في أن يتمكن الإسرائيليون والفلسطينيون من انتشال أنفسهم من المستنقع الحالي. إن التدهور المستمر على هذه الجبهة قد يؤدي إلى نتائج باهظة الثمن على استقرار الأنظمة المجاورة ولاسيما في الأردن. ولحدوث أي تقدم على هذه الجبهة فإن على الولايات المتحدة أن تطبق خريطة الطريق ومعها نشر مجموعة مراقبة دولية للتأكد من التطبيق وتسجيل الخروقات.

فهل القادة الأميركيون مستعدون لمواجهة تحديات ما بعد الحرب؟ سوف تلاحقهم الحاجة الملحة إلى إرساء نظام فيدرالي جديد في العراق مستند إلى الحريات الإنسانية وسوف يكونون منشغلين بتدبير أمر علاقاتهم مع الأتراك والأكراد والسنة والشيعة. ولكن فوق ذلك كله فإن أذهانهم ستكون مركزة على الفوز في الانتخابات القادمة. سيكون هذا هو الهدف الرئيسي. فلنأمل في الوقت نفسه في أن يكونوا مدركين لمسؤوليتهم الجسيمة تجاه بقية العالم، وفي أن لا يفشلوا في الوفاء بمهمة ليست أقل أهمية من الإطاحة بصدام حسين. تم نشره في 24/3/2003 ©bitterlemons.org

دافيد كمحي: المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية والسفير المتجول السابق، وهو رئيس مجلس إسرائيل للعلاقات الخارجية، ويرأس الفرع الإسرائيلي للتحالف الدولي من أجل سلام عربي إسرائيلي (جماعة كوبنهاجن).

=================================

للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org