bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
المواجهة الفلسطينية – الإسرائيلية على جبهة "الديمقراطية والنزاع"

14 آب/أغسطس 2002، العدد 30

================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني www.bitterlemons.org.

في هذا العدد
================================
>< "إشكالية" الديمقراطية"
بقلم غسان الخطيب
إن إتاحة المجال لديمقراطية حقيقية، ولعملية دمقرطة، في إسرائيل وفلسطين ستؤدي حتماً إلى زيادة فرص السلام.

>< "الديمقراطية والإرهاب والمستوطنات"
بقلم يوسي ألفر
هل لديمقراطية فلسطينية حقيقية أن تتصدى للإرهاب من حيث خيّب عرفات الآمال.

>< "الديمقراطية اختيار عاقل يخدم السلام"
بقلم مضر قسيس
إذا اكتفت القيادة السياسية بالتصرف وفقا لنبض الشارع فإنها ستصاب، هي أيضا، بالعمى.

>< "الفصل العنصري هل هو مساوٍ للفصل بين الشعبين؟"
بقلم ألون ليل
إقامة السياج بين الإسرائيليين والفلسطينيين يجب أن ينظر إليها في العالم كله كعملية فصل هدفها منع نشوء الفصل العنصري.

===========

وجهة نظر فلسطينية
"إشكالية" الديمقراطية
بقلم: غسان الخطيب

=================================

كان موضوع الديمقراطية على الدوام مثار نقاش في حركات التحرر، وليست حركة التحرر الفلسطينية استثناء من القاعدة. وقد وصل الفلسطينيون تقريباً إلى حل هذه المسألة عندما أتيحت لهم الفرصة لتكون لهم سلطة سياسية لأول مرة بناء على اتفاقات أوسلو 1994. آنذاك أثبت الفلسطينيون (أولا لأنفسهم، ثم للعالم) أنهم صادقون في نواياهم الديمقراطية، حيث استغلوا أول مناسبة سنحت لانتخاب مجلس تشريعي. لسوء الحظ فإن هذا المجلس كان محدود الصلاحيات والمسؤوليات بسبب اتفاقات أوسلو مع إسرائيل. كانت القيود في معظمها ناشئة عن الاشتراطات الإسرائيلية التي وجد بعضها تعبيراً له في نص الاتفاق، بينما تمثل بعضها في الممارسات الإسرائيلية التي أخذت تتوالى في سياق التطبيق.

لقد تجدد مؤخراً الجدل حول الديمقراطية والسلطة، وموقعهما من النزاع في أوساط الفلسطينيين وغيرهم، عندما ألقى رئيس الولايات المتحدة جورج بوش خطابه المشهور الذي شن فيه هجوماً ضارياً على القيادة الفلسطينية داعياً إلى الانتخابات ومبلغاً الفلسطينيين في الوقت ذاته، وبقدر كبير من الوضوح، بأن عليهم ألا ينتخبوا القيادة الحالية.

لقد أثار الخطاب نقاشاً داخل القيادة الفلسطينية حول أهمية الانتخابات الديمقراطية والحاجة إلى تأكيد حق الفلسطينيين في اختيار قيادتهم. كما أنه زاد من تصميم الجمهور الفلسطيني على دعم القيادة الحالية لأنها قيادة منتخبة.

من السهل الدفاع عن الحجة القائلة إن أكبر القيود التي تعاني منها الديمقراطية الفلسطينية هي تلك التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. فمثلا لم تسمح إسرائيل خلال ثلاثين سنة من الاحتلال العسكري، للفلسطينيين بانتخاب مجالس بلدياتهم سوى مرتين. واليوم، فإن السبب الذي منع المجلس التشريعي من إجراء انتخابات أخرى في مجال ست سنوات إنما هو عدم سماح إسرائيل لهذا بأن يحدث. وهذا يثير أسئلة مشروعة جداً حول الديمقراطية الإسرائيلية، التي هي ديمقراطية إلى حد معين داخل إسرائيل، ولكنها تعرقل الديمقراطية وتحول دون حل المشكلات ديمقراطياً عند الفلسطينيين. علاوة على ذلك فإن طبيعة الممارسات الإسرائيلية في المناطق المحتلة تسهم في خلق وضع فصل عنصري، حيث يوجد مجتمعان: أحدهما أصلي فلسطيني، والآخر مجتمع استيطاني غير شرعي إسرائيلي، يعيشان في المنطقة نفسها لكن في ظل منظومتين مختلفتين تماماً، وغير متساويتين، من القوانين.

ثمة، من جانب آخر، اتصال وثيق بين الديمقراطية والسلام لسبب بسيط هو أن الديمقراطية تسمح للجمهور بأن يقول رأيه ويتخذ قراره بشأن سياسات وممارسات حكومته. في العادة فإن البشر يعربون عن رغبة حقيقية في السلام. ولهذا السبب فكلما كان المجتمع ديمقراطياً ازداد السعي نحو السلام في التعبير السياسي لهذا المجتمع.

إن إتاحة المجال للديمقراطية الحقيقية، وللدمقرطة، أن تظهرا في إسرائيل وفلسطين ستؤدي حتماً إلى زيادة فرص السلام. ومن أجل تمكين الفلسطينيين من تطوير مجتمعهم باتجاه الممارسات والنظم الديمقراطية فإن المطلوب هو إنهاء السيطرة الخارجية على المجتمع الفلسطيني، أي إنهاء الاحتلال. فالاحتلال هو العقبة الرئيسية أمام نشوء الديمقراطية الحقّة.
نشر في 12/8/2002 bitterlemons.org ©

غسان الخطيب هو وزير العمل في الحكومة الجديدة للسلطة الفلسطينية. وقد عمل لعدة سنوات محللاً سياسياً وإعلامياً.

================================

وجهة نظر إسرائيلية

الديمقراطية والإرهاب والمستوطنات
بقلم يوسي ألفير
=================================

موضوع الديمقراطية وثيق الصلة جداً بالنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. فالديمقراطية قد لا تشكل بالضرورة حلاً للنزاع، كما يبدو أن الرئيس الأميركي جورج بوش أرادنا أن نعتقد، وهي أيضاً ليست بالضرورة ضحية من ضحايا النزاع. على أنها كانت بالتأكيد عاملاً مهماً في تاريخ النزاع على مدى السنوات العشر الماضية. وهي عنصر مهم في التوصل إلى حل.

الصلة الأولى بين الديمقراطية والنزاع تعود إلى اتفاقات أوسلو. فبتوقيعها على اتفاقات أوسلو شجعت حكومة رابين في البداية على أن يؤسس الفلسطينيون نظاما ديمقراطياً ذا قيادة منتخبة ومجلس تشريعي. ولكنها أيضا افترضت أن القائد الفلسطيني ياسر عرفات كان شريكاً راضياً في "صفقة"، تقدم فيها إسرائيل إليه الأرض مقابل استعداده لقمع الإرهاب المتطرف للإسلاميين. وهكذا، ومع تشجيعه الأولي للديمقراطية الفلسطينية، افترض رئيس الوزراء إسحق رابين أن نظاماً متسلطاً بقيادة عرفات سوف يكون، أسوة بالأنظمة العربية الأخرى في الجوار، أكثر فاعلية في قمع الإرهاب من إسرائيل الديمقراطية. ومن هنا عبارته المشهورة بأن المحكمة العليا الإسرائيلية ومناصري حقوق الإنسان في إسرائيل لن يزعجوا عرفات أثناء تصديه للإرهابيين.

هنا يوجد افتراضان خاطئان لا افتراض واحد. أولاً، أن منظمة التحرير بقيادة عرفات – سواء أكانت ديمقراطية أم لم تكن - سوف تنجح في التصدي للإرهاب؛ وثانياً، أنه مقبول من عرفات أن يتخطى القواعد بشكل صارخ في سبيل تحقيق هدف حميد، وفي رحم هذا السياق يولد نظام قمعي فاسد وقائم على العنف. هذان العاملان، بالتناوب، يؤديان إلى إثارة أسئلة جديدة بشأن المستقبل القريب: هل لديمقراطية فلسطينية حقيقية – إن كان يمكن إرساؤها – أن تتصدى للإرهاب من حيث خيّب عرفات المستبدّ الآمال؟ هل يمكن لديكتاتور فلسطيني آخر أن يتصدى للإرهاب إن تسنى تدبير أمر وصوله إلى الحكم؟ هذه الأسئلة تغدو بالغة الأهمية بالنظر إلى ما يبدو من وجود افتراض إسرائيلي، أميركي، ودولي بأنه، عن طريق الضغط على الفلسطينيين لتغيير عرفات وتنظيف نظامهم، يمكننا إلى حد ما إعادة الزخم إلى عملية السلام. أليس ممكناً أيضاً، وبالقدر نفسه، أن تلحق الديمقراطية الحقة في فلسطين بالنموذج الجزائري فتأتي إلى الصدارة بالعناصر الإسلامية المعادية للديمقراطية التي هدفها الأساسي استغلال النظام الديمقراطي لمآربها؟ ألا يكون الرئيس بوش راضياً بحاكم متفرد فلسطيني مثل مبارك ما دام يقوم بقمع الإرهاب؟ ألا ترضى إسرائيل بذلك؟

في الجانب الآخر من النزاع هناك الديمقراطية الإسرائيلية – ديمقراطية حيوية لكنها مهزوزة البنية، بل أقرب إلى الفوضى. على مدى السنوات العشر الماضية تقريباً كان واضحاً لمعظم الإسرائيليين أن أي وصفة ناجحة للتعايش مع الفلسطينيين تقتضي قيام دولة فلسطينية، الأمر الذي يقتضي إزالة المستوطنات الإسرائيلية. إلا أن رؤساء الوزراء المتعاقبين من رابين إلى أرئيل شارون، وبعضهم كان يقود "ائتلاف سلام"، استمروا في بناء المستوطنات بدلاً من تفكيكها، مما أدى إلى سلوك إسرائيل طريق الحماقة المفضي إلى المواجهة العنيفة التي ستؤول في نهاية المطاف إلى وضع شبيه بوضع جنوب إفريقيا.

هنا نشهد التأثير المدمر للأقلية المتطرفة الديناميكية المتمثلة في المستوطنين الذين نجحوا في استغلال النظام الديمقراطي على نحو أضّر تقريبا بكل من عداهم. أهو أبا إيبان الذي كان قال إن الديمقراطيات تتخذ القرارات الصحيحة فقط بعد أن تستنفد كل "الإمكانات الأخرى"؟ بعضنا قد يتساءلون، ولا تثريب عليهم في ذلك، عن الزمن الذي سوف يمضي علينا قبل أن نجرب كل تلك "الإمكانات الأخرى".

في هذه الأثناء تعاني الديمقراطية الإسرائيلية الإنهاك جراء الصراع ضد الإرهاب. في خضم بحثنا المستميت عن أساليب ردع ناجحة للانتحاريين الفلسطينيين اضطررنا إلى انتهاك حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية عن طريق إجراءات مثل الإغلاق وحظر التجول، والآن نسف المنازل والترحيل، كل هذا في مسعى لحماية حق الإسرائيليين في الحياة. فنحن ننغمس أكثر فأكثر في مستنقع منتن.

قد يهدئ من روعنا بعض الشيء أن الولايات المتحدة، أيضا، أرغمت على تقييد حقوق الإنسان لمواطنيها ولسجنائها أيضا بسبب النزاع الأفغاني. ولكن لسوء حظنا نحن فإن الامتزاج بين الإسرائيليين والفلسطينيين – جغرافيا وديمغرافيا – يسبب قدراً أكبر بكثير من المعاناة الإنسانية في منطقتنا عما هو الحال في أميركا. وهو يستدعي أيضا حلولاً مختلفة جذرياً.

وبالنظر إلى تعقيدات النزاع فإن أكثر الخطوات ديمقراطية، ومن ثم عدالة، التي يمكن لإسرائيل اتخاذها اليوم تتمثل في فصل نفسها عن الحياة الفلسطينية: الإنسحاب، وتفكيك المستوطنات المتفرقة في غزة والضفة الغربية، وإقامة سياج لحماية أنفسنا، والتأكد من أن الفلسطينيين يدركون أننا مستمرون في حمل عصاً غليظة جداً.

إذا أراد الفلسطينيون أن يصلحوا نظامهم وأن يصبحوا أول ديمقراطية حقيقية في المنطقة، فهذا أمر يعود إليهم، لا إلينا. لا فائدة لنا من قمعهم بسبب أننا مشمئزون من قائدهم. وإذا كان لديهم قيادة تجتنب العنف وتسعى إلى تعايش سلمي مع دولة يهودية وديمقراطية في إسرائيل، أو لم يكن، فهذا أيضا أمر يعود في النهاية إليهم لا إلينا. غير أنه من الحق هنا، بل ومن الواجب بالنسبة إلينا، أن نرد بقوة كبيرة إذا أوقعوا بنا الأذى والعنف.

الديمقراطية الوحيدة التي نستطيع، ويجب، أن نهتم بها هي ديمقراطيتنا نحن. نشر في 12/8/2002 bitterlemons.org ©

يوسي ألفر محلل استراتيجي إسرائيلي. وهو المدير السابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية، جامعة تل أبيب.

=================================

وجهة نظر فلسطينية

الديمقراطية اختيار عاقل يخدم السلام"
بقلم مضر قسيس

=================================

عندما يكون واضحا أن الوقت قد حان لإرساء أسس الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني (وهذا المجتمع له مصلحة واضحة في إرساء هذه الأسس، وكذا جيرانه والعالم)، فإن مساومات المصالح والقوى ستفرض "حلاً وسطاً". القوى المتنافسة، والمتصارعة بشأن "أسلوب تقرير المصير" الفلسطيني تفلح دوما في التوصل إلى تسوية تؤذي عملية الدمقرطة، حيث إن الديمقراطية لا تملك أن تقرّ بفرض شيء ضد إرادة أمة. وهذا، لسوء الحظ، هو ما يطبع تاريخ النزاع العربي–الإسرائيلي، والاحتلال، وعملية السلام التي هي أشبه بالحرب التي تمخض عنها أوسلو.

أحد مشكلات الديمقراطية أنها لم تكف عن كونها قومية بطبيعتها، وأنها تميل إلى المحلية لا إلى العالمية. وفي التطبيق تتحكم الديمقراطية في العلاقات داخل الدولة/المجتمع، ولكن ليس فيما بين الأمم. وفي حال وجود تناقض بين المصلحة الوطنية وبين العملية الديمقراطية والقيم الديمقراطية فإن المصلحة الوطنية تتغلب بسبب الطبيعة المحلية للديمقراطية. ومن هنا فليس ثمة ما هو ديمقراطي في نزاع، اللهم إلا الاختيار (الذي يتم ديمقراطياً) بأن يتم طرح الديمقراطية جانباً.

ثمة سؤال إنكاري، يطرح لاستدرار جواب بنعم، وهو: أليس أسهل على ديكتاتورين التوصل إلى سلام مما هو على زعيمين يمثلان ديمقراطياً شعبين مختلفين؟ ؛ على أن الإجابة ليست للأسف بنفس القدر من الوضوح. ومن جهة أخرى فإن الخيار الأصعب، وهو إحلال السلام بإرادة ديمقراطية، هو الأكثر ديمومة. على أن هذا الخيار يفترض أن يكون النزاع قائماً بين ديمقراطيتين، وهذا لا يمكن أن يكون الحال عندما يخضع شعب شعباً آخر بالاحتلال. هذا قد يفسر سر لاديمقراطية عملية التخلص من الاستعمار في العادة.

كانت تلك هي الحال في عملية التخلص من الاستعمار في كل الدول العربية، وفي إفريقيا، وأميركا اللاتينية. يبدو أن الجهود التي تبذل في سياق الكفاح ضد الاحتلال، إضافة إلى القوة المدمرة للمحتل، والوسائل الضرورية لمواجهة القوة المستعمرة وعنف المستعمر تترك لدى المجتمع تقاليد سياسية، واقتصاداً، وتعليماً، ومنظومة من القيم تجعل الدمقرطة عملية صعبة جداً.

يجب ألا نغفل أيضا أن الديمقراطية ليست خياراً تلقائياً. علينا أن نملك القدرة على تصور أن هناك شعوباً تختار بإرادتها نظاماً غير ديمقراطي لتعيش في كنفه. هناك ظروف محددة بشأن متى تكون الديمقراطية "الخيار الصحيح" لشعب ما. هذه الظروف تنبع من حقيقة أن الشعب له مصلحة في الديمقراطية، وإلا فإن نظاماً آخر قد يكون أنسب لحياة ذلك الشعب.

المصلحة الأساسية التي تحميها الديمقراطية وتحافظ عليها هي أن تتم المشاركة في الحكم وأن يتم توزيع الثروة بحسب عقد اجتماعي معين. ومن هنا فإن فقدان الحكم، والفقر، وفقدان السيادة لا تؤدي إلى الديمقراطية. وفقدان الديمقراطية في النتيجة لن يؤدي، على الأرجح، إلى سلام يمكن الحفاظ عليه. هذا التركيب المنطقي يقودنا إلى استنتاج معروف: الاستعمار هو دوران في دائرة مفرغة بغيضة لكل من المستعمر والواقع تحت الاستعمار. كلا الجانبين يدفعان ثمن كل يوم يمر على هذه الدائرة المفرغة وهي في مكانها، رغم أن هذا الثمن قد يكون مقبولاً أكثر من سفك الدماء الذي لا يني يزيد ويتراكم، ويصبح التخلص منه أصعب.

إن آلية التهيئة لوضع الدائرة المفرغة هي العمى مجسداً. السعي للثأر (الكراهية الناشئة عن رد فعل عاطفي على العنف) يخلق وضعاً يميل فيه الناس إلى عدم رؤية الآثار المدمرة لذواتهم على المدى البعيد، وينحرف الاهتمام عن الأهداف الأصلية: يميل كل فريق إلى بذل قدر من الجهد لإيذاء الفريق الآخر أكبر من الجهد الذي يبذله لتحقيق أهدافه الأصلية. إذا اكتفت القيادة السياسية بالتصرف وفقاً لنبض الشارع فإنها ستصاب، هي الأخرى، بالعمى. (مع ملاحظة أنها لو امتنعت عن ذلك فهي مهددة بفقدان شعبيتها). يبدو أن هذا يفسر لماذا يعتبر تدمير المستقبل طريقة العمل التي تسير وفقها السياسة في الشرق الأوسط. إنه نتيجة لقصر نظر أو جبن قادة المنطقة السياسيين.

ما نحتاجه هو زعماء يملكون ما يكفي من الصدق والتفاني ليكون لهم رؤية سياسية أساسها السلام والعدل، ولديهم الإرادة ليقودوا ثم يتركوا مناصبهم بعض الوقت عقب التوقيع على معاهدة سلام حقيقية يراد لها الدوام. فقط قيادة كهذه يمكن أن تقود الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني نحو ديمقراطية المستقبل حيث تمتد حدود النظام الديمقراطي إلى أبعد مما تصل إليه ذراع الجيش.
نشر في 12/8/2002 bitterlemons.org ©

د. مضر قسيس أستاذ للفلسفة في جامعة بيرزيت، وعمل باحثاً في المركز الفلسطيني للسياسات والبحث الاجتماعي.

=================================

وجهة نظر إسرائيلية

الفصل العنصري هل هو مساوٍ للفصل بين الشعبين؟
بقلم ألون ليل

=================================


لقد أدى إقصاء عالمين إسرائيليين، هما البروفسور جدعون توري والدكتورة مريام شلزنغر عن هيئة تحرير مجلة "المترجم" المتخصصة انسجاماً مع مقاطعة لإسرائيل أعلنها بضع مئات من الأكاديميين إلى موجة جديدة من المقارنات بين سياسات إسرائيل وسياسة الفصل العنصري. كما أن المحاولة التي جرت قبل اسابيع لسن قانون في الكنيست يسمح بإنشاء جمهرات سكنية لليهود فقط أعادت إلى أذهان كثير من المراقبين تلك اللافتات التي عرفتها جنوب إفريقيا تحت نظام الفصل العنصري: لافتات "للبيض فقط".

المقارنات، بالطبع، ليست جديدة. ما زلنا نذكر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975، "الصهيونية تساوي العنصرية وتساوي الفصل العنصري"، هذا القرار الذي ألغته الجمعية العامة نفسها بعد خمسة عشر عاما. وحتى خريطة المناطق أ، ب، ج في المنطقة التي هي فلسطين المستقبل فإنها أثارت موجات من الانتقادات لأنها أعادت إلى أذهان الكثيرين في العالم خريطة البانتوستانات في جنوب إفريقيا العنصرية.

لقد غدا مصطلح "الفصل العنصري" في السنوات الأخيرة مرادفا لظاهرتين لا تلتقيان بالضرورة. ففي المعنى الحرفي، وربما الاجتماعي الجغرافي، يعني الفصل العنصري وجود فئات مختلفة من الناس تعيش منفصلة عن بعضها البعض لموجب قانوني. والكلمة التي يستخدمها الأميركيون لتعني الفصل (Segregation) تؤدي بأمانة هذا المعنى للفصل العنصري. وفي معناه الثاني، الأكثر سياسية، يعني الفصل العنصري تحريف القانون وتفسيره على غير وجهه بسبب حكم أقلية تضطهد أغلبية. وحكم البيض للسود في جنوب إفريقيا من عام 1950 إلى 1994 هو أوضح مثال على الظاهرتين في عصرنا الحديث.

وحتى بدون أن نضطر إلى طلب المساعدة من خبيري الترجمة اللذين تم إقصاؤهما، البروفسور توري والدكتورة شلزنغر، يمكننا الآن القيام بمحاولة لتحليل استعمالي مصطلح "الفصل العنصري" فيما يتعلق بالوضع الإسرائيلي – الفلسطيني.

فيما يتعلق بالمعنى الأول للمصطلح – وهو العيش بشكل منفصل – يجب أن نقرّ بأنه لا يوجد في المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط أي رغبة تقريبا لدى الجمهورين، اليهودي والعربي، في العيش معا لا اجتماعياً ولا ثقافياً ولا دينياً. وهما يعيشان، بشكل كبير، منفصلين باختيارهما الحر وليس بسبب الإرغام القانوني، مما يعكس الطبيعة المغلقة والمحافظة للشعبين ورغبتهما في الحفاظ على شخصيتهما الثقافية والدينية المتميزة. ليس هناك تقريباً أي تعليم مشترك للأطفال اليهود والعرب، وليس ثمة أي زيجات مختلطة تقريبا. نعم، تضع المؤسسة الاجتماعية في كلا الجانبين العقبات الإدارية التي تحول دون اندماج اجتماعي – ثقافي، ولكنه مهم أن نلاحظ أن المؤسسة في الجانبين ضالعة في العملية وتقصد إليها قصداً، وأن هناك درجة عالية من التناغم بين المؤسسة والمجتمع الذي تستند إليه في هذه المسألة. وتبقى محاولة عائلة قعدان المسلمة شراء منزل في تجمع كاتسير السكاني اليهودي (هذه المحاولة التي لقيت اهتماماً عالياً، والتي نشأت عنها المحاولة المجهضة لسن قانون بشأن المجمعات السكنية اليهودية) ظاهرة مفردة في إسرائيل.

وإذ نتحول إلى المعنى الثاني لمصطلح "الفصل العنصري"، وهو سياقه السياسي، نجد أن النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني يقترب من درجة الغليان. هناك اليوم نحو خمسة ملايين يهودي، وأكثر من مليون عربي داخل إسرائيل حسب حدود عام 1967. وفي قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وهي المناطق التي تتجه النية إلى إنشاء الدولة الفلسطينية المستقبلية فيها، يعيش نحو 3.5 مليون فلسطيني عربي ونصف مليون يهودي. وبعبارة أخرى فإنه يعيش في منطقة النزاع بين نهر الأردن والمتوسط نحو 5.5 ملايين يهودي و 4.5 ملايين عربي. في الوقت الحاضر يشكل ذلك أغلبية يهودية واضحة داخل إسرائيل، وأغلبية مع فارق قليل في الرقعة الجغرافية كلها.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار اتجاهات التزايد السكاني، وما يضاف إلى ذلك من الانخفاض، الذي يكاد يصل درجة الصفر، في الهجرة إلى إسرائيل، يمكننا أن نرسم صورة لوضع يتساوى فيه عدد السكان في الطرفين في نحو عام 2010؛ ووضع توجد فيه أغلبية عربية في الأعوام التي تلي ذلك. بعبارة أخرى فإن استمرار الوضع القائم الذي تمارس فيه إسرائيل السيطرة الأمنية (وعملياً الاقتصادية والسياسية أيضاً) على المنطقة بأكملها سيضع إسرائيل في خانة الفصل العنصري السياسي في خضم الصراع الإسرائيلي – العربي في المستقبل المنظور.

وبما أننا لا نستطيع إيقاف عقارب الساعة، ونظراً إلى أن القيادة الفلسطينية الحالية فقدت ثقة الإدارة الأميركية وثقة الجمهور الإسرائيلي نتيجة للانتفاضة، فإن التوجه الموجود عند الإسرائيليين نحو الانفصال عن الفلسطينيين هو في الواقع صراع ضد خطر داهم يتمثل في الفصل العنصري السياسي. في الوقت الحاضر فإن الطريقة الوحيدة لتجنب حكم أقلية يهودية لأغلبية عربية في غضون سنوات قلائل هي الانفصال سياسياً وواقعياً (بما في ذلك إزالة المستوطنات ونقلها إلى ما وراء سياج). وتبعا لذلك فإن إقامة هذا السياج بين الإسرائيليين والفلسطينيين يجب أن ينظر إليها في العالم كله كعملية فصل هدفها منع نشوء الفصل العنصري.

قد يبدو هذا سخيفاً من ناحية لغوية. ولكنه ليس سخيفاً بالتأكيد في نظر أي شخص يفهم حقيقة النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني في عام 2002، ويريد أن تبقى دولة إسرائيل يهودية وديمقراطية في آن معا.
نشر في 12/8/2002 bitterlemons.org ©

د. ألون ليل، المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية والسفير السابق في جنوب إفريقيا، هو مؤلف كتاب "العدالة السوداء" (نشر: هاكيبوتس هاميئوحاد 1999، بالعبرية).

=================================

للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org