bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
دور مواطني إسرائيل الفلسطينيين

11 تشرين الثاني/نوفمبر 2002 – العدد 41

================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني www.bitterlemons.org.

في هذا العدد
================================
>< التسليم بالواقع
- بقلم: يوسي ألفر
يجب أن ينال المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل مواطنة متساوية حقيقية، وحقوقا كأقلية، ولكنهم يجب أن يوطنوا أنفسهم على قبول الطبيعة الأساسية لإسرائيل كدولة يهودية.

>< إرخاء حبل التوتر
- بقلم: غسان الخطيب
كان الفلسطينيون داخل إسرائيل على الدوام عنصرا بالغ الحساسية، بل متفجرا في الصراع العربي - الإسرائيلي.

>< مواطنو إسرائيل الفلسطينيون واستراتيجية حل النزاع
- بقلم: ماجد الحاج
أي تسوية سلمية لا توسع حدود شرعية المجتمع الإسرائيلي (إلى ما وراء طبيعته الإثنية – القومية الحالية) ستخلق احتمالا بانفجار الوضع.

>< الرحلة الطويلة لتحقيق مطلبين
- بقلم: عادل مناع
يهدد استمرار الاحتلال بضياع حتى المكاسب القليلة التي حققها العرب داخل إسرائيل منذ السبعينات.

=================================

وجهة نظر فلسطينية
إرخاء حبل التوتر
بقلم: غسان الخطيب

=================================

كان الفلسطينيون داخل إسرائيل على الدوام عنصرا بالغ الحساسية بل متفجرا في الصراع العربي – الإسرائيلي. كانت نية القوات اليهودية، ولا سيما العصابات الإرهابية من بينها، تتجه في البداية إلى إبعاد أكبر عدد من الفلسطينيين من أجل خلق دولة يهودية محضة. وقد أنكرت إسرائيل الرسمية لاحقا أي نية لطرد الفلسطينيين بالقوة، ولكن كثيرا من المؤرخين الإسرائيليين وثقوا الدور المباشر والمتعمد للجماعات الإرهابية اليهودية في التخلص من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين.

والعنصر المهم الثاني في صياغة وتشكيل الهموم الأساسية للفلسطينيين في إسرائيل كان التعامل الذي لاقوه من جانب الدولة الإسرائيلية في الخمسينات والستينات على وجه الخصوص. وتضمنت الإجراءات التي تعرضوا لها خطوات أمنية غير عادية وغير ضرورية أجبرت الفلسطينيين في إسرائيل على العيش في ظل حظر تجول وضمن قيود شديدة على تنقلهم من قرية إلى أخرى، إضافة إلى قمع أي نشاطات سياسية، وإلى كبت حرية التعبير. وتتمثل الممارسات القائمة على التمييز العنصري التي تقوم بها دولة إسرائيل اليوم في التوزيع غير العادل للخدمات العامة، بدءا بسياسة نزع ملكية أو مصادرة الأرض الفلسطينية وانتهاء بغياب التساوي في فرص ونوعية التعليم وفي الوظائف والخدمات الأخرى.

في وقت لاحق قفزت الأهمية السياسية للفلسطينيين في إسرائيل إلى مستويات جديدة عندما أخذت هذه الأقلية تقترع في الانتخابات الإسرائيلية، وتعبر عن نفسها من خلال ممثليها في الكنيست. وكثيرا ما طرح موضوع دور الفلسطينيين داخل إسرائيل في دعم أو في إسقاط هذه الحكومة أو تلك من بين الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

عندما كان يتم التفاوض بشأن حل نهائي للنزاع، طفا إلى السطح مرة أخرى موضوع الإسرائيليين الفلسطينيين، وإن بطريقة مختلفة. وقد قالت إسرائيل، أثناء المحادثات مع منظمة التحرير الفلسطينية بشأن مشكلة اللاجئين، إنها لا تقبل أي عودة للاجئين لأن هذا يهدد "النقاء" اليهودي للدولة. ومن المسلمات بالنسبة للإسرائيليين اليهود أن إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، الأمر الذي يبرز مرة أخرى الوضع الحساس للفلسطينيين داخل إسرائيل. وتتناقض فكرة وجوب محافظة إسرائيل على "النقاء" اليهودي مع الحقوق الأساسية لأكثر من 20 بالمئة من مواطني الدولة الذين هم من جهة غير يهود، ومن جهة أخرى من سكان البلاد الأصليين.

وعلى هذا يجب على منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل أن تحترما مبدأين متكاملين فيما يتعلق بالفلسطينيين داخل إسرائيل في سياق الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. يجب على القيادة الفلسطينية، وعلى الشعب الفلسطيني، احترام حقيقة أن أولئك الفلسطينيين مواطنون في دولة إسرائيل، وإبداء فهم استراتيجي لكل ما يترتب على هذه الحقيقة. وبهذا على القيادة أن تحترم إرادتهم، وخيارهم، وحقهم في اتخاذ أي موقف أو سلوك سياسي يرغبون في اتخاذه. ويجب على إسرائيل، بدورها، احترام مواطنيها هي بأن تنهي التمييز ضد هؤلاء الفلسطينيين، وأن تكف عن تجاهل وجودهم وإنكار تاريخهم ولاسيما في سياق إبداء المسؤولين الإسرائيليين آراءهم حول "طبيعة الدولة". تم نشره في 11/11/2002. bitterlemons.org ©

غسان الخطيب هو وزير العمل في الحكومة الجديدة للسلطة الفلسطينية. وقد عمل لعدة سنوات محللاً سياسياً وإعلامياً.

================================

وجهة نظر إسرائيلية

التسليم بالواقع
بقلم يوسي ألفير
=================================

كان أحد أكبر أغلاط إسرائيل في سياق صياغة إعلان المبادئ في أوسلو عام 1993 عدم التطرق إلى "عرب إسرائيل" – المواطنين الفلسطينيين العرب في دولة إسرائيل. لقد افترض المفاوضون الإسرائيليون أنه بقبول الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الشرط الإسرائيلي بأن منظمة التحرير الفلسطينية تستطيع تمثيل كل الفلسطينيين في كل مكان ما عدا أولئك الذين يعيشون داخل إسرائيل (والذين تمثلهم بوصفهم مواطنين إسرائيليين حكومة إسرائيل، وهي الطرف الثاني الموقع على اتفاق أوسلو)، فإن عملية السلام المقبلة لن تؤثر على وضع الفلسطينيين داخل إسرائيل. وعلى هذا فإن بمقدور الحكومات الإسرائيلية الاستمرار في تجاهل، ليس فقط الحاجات المادية والمدنية لعرب إسرائيل، بل مشاعرهم القومية أيضا.

وفي النتيجة انفجر هذا الخطأ في وجوهنا على نحو صارخ أثناء الاشتباكات العنيفة في تشرين الأول/أكتوبر 2000 عندما انضم الجمهور العربي الإسرائيلي إلى ركب الانتفاضة فترة ضئيلة، وقتل اثنا عشر من أفراده على يد الشرطة الإسرائيلية. أدركت الغالبية اليهودية الإسرائيلية فجأة وعلى نحو مؤلم أن ظهور احتمال قيام دولة فلسطينية في الجوار، يضاف إليه اشتداد ساعد الحركة الإسلامية، كل ذلك على خلفية عقود من العيش كمواطنين من الدرجة الثانية، قد أدى إلى جعل التوجهات السياسية للعرب في إسرائيل تميل إلى التطرف. وقد غدا على إسرائيل أن توفر حلا قوميا للفلسطينيين ليس في الضفة الغربية وغزة فحسب بل في الجليل والمثلث أيضا.

هذه التطورات، وغيرها، بدأت في بث التطرف في المواقف اليهودية الإسرائيلية أيضا. لقد أدى إصرار عرفات على حق العودة للاجئي عام 1948، وتصميمه على أنه ليس لليهود وضع معين في جبل الهيكل، تضاف إلى ذلك موجات العمليات الانتحارية وتكاثر الأدلة على أن عشرات آلاف الفلسطينيين المقيمين في الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة يقومون "بعودة" غير شرعية إلى القرى العربية الإسرائيلية (وكان أحد هؤلاء الضحية الثالثة عشرة لانتفاضة عرب إسرائيل المحدودة)، كل تلك العوامل عملت في الواقع على دمج القضيتين: قضية العرب الإسرائيليين، والمسألة الفلسطينية في نظر كثيرين من اليهود الإسرائيليين.

بالنسبة لمعظم الإسرائيليين فإن مصدر القلق الرئيسي إنما هو ما يبدو من وجود استراتيجية فلسطينية على المدى القريب بقيام "دولة فلسطينية ونصف": أي إنشاء دولة فلسطينية في الضفة وغزة تستند إلى شروط (جبل الهيكل، وعودة اللاجئين)، تجسيد الإنكار الفلسطيني للمفهوم الصهيوني (دولة يهودية للشعب اليهودي)، بينما تستوعب إسرائيل نفسها اللاجئين الفلسطينيين العائدين وتستسلم لمطالب مواطنيها الفلسطينيين بأن تصبح "دولة لكل مواطنيها". وبمرور الوقت تستكمل العملية بأن تتحول إسرائيل إلى دولة ذات شعبين أولاً، ثم تصبح في نهاية المطاف دولة عربية فلسطينية أخرى.

لقد كان رد فعل اليهود الإسرائيليين، وقد كونوا هذا الفهم، قيامهم بالتشديد على مفهوم الدولة اليهودية بحدة. وقد تعرضت مدرسة ما بعد الصهيونية، التي كان بدأ ينتمي إلى فكرها بعض الإسرائيليين إذ نادوا "بدولة لكل مواطنيها"، لخلخلة قوية لمشروعيتها وتم تكوين حلول جديدة متطرفة تجمع بين إجراءات للضفة الغربية وغزة، وإجراءات بحق العرب الإسرائيليين، وهذه الأخيرة تؤكد على الحاجة إلى فصل يتم على الأرض بحسب القومية بين اليهود والعرب.

بعض تلك الحلول كان إيجابيا. ولهذا فإن التأييد لقيام دولة فلسطينية قد ارتفع بين اليهود في إسرائيل أثناء عامي الانتفاضة. وكذا كان الأمر بالنسبة لتأييد انسحاب من جانب واحد تقوم به إسرائيل مع تفكيك المستوطنات الاستفزازية. وبعض الحلول كان يخلق مشكلات. فقد أخذ الإسرائيليون على نحو متزايد يطالبون بإعادة رسم الخط الأخضر بحيث تصبح القرى العربية الإسرائيلية في المثلث ومنطقة وادي عارة داخلة ضمن دولة فلسطين. وبعض آخر من تلك الحلول كان إجراميا: هناك معسكر متنام ومخيف من مؤيدي "الترانسفير" العشوائي للفلسطينيين إلى مناطق خارج حدود إسرائيل/فلسطين.

غدا موضوع العرب الإسرائيليين الآن في صلب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ولم يعد الأمران منفصلين.

على كلا الجمهورين أن يبذل جهداً في المكاشفة ومحاسبة الذات. يجب أن تبقى إسرائيل دولة يهودية – وإلا فإنها تفقد مبرر وجودها -، ولكنها يجب أن تكون ديمقراطية في طبيعتها؛ وليس في وسعها تجاهل أو شطب الهوية الفلسطينية لـ 18 بالمئة من سكانها. وعلى هؤلاء الأخيرين أن يدركوا أن دولة فلسطينية واحدة هو أقصى ما يمكن أن تطمح أنظارهم إليه، وأنهم هم لن يكونوا مقيمين في هذه الدولة. وإذا ما أرادوا هوية قومية عربية فلسطينية – وهذا بالتأكيد أمر مشروع – فعليهم أن يخططوا للانتقال للعيش في تلك الدولة.

ليس لنا أن نتوقع من اليهود الإسرائيليين أن يباشروا بالمهمة الشاقة المتمثلة في تخصيص وضع ما من الاستقلال الذاتي ثقافيا للفلسطينيين الإسرائيليين، إلا بعد أن يقوموا فيما بينهم بتحديد الطبيعة اليهودية لإسرائيل نفسها: إلى أي حد ستكون إسرائيل متدينة أو علمانية قومية، وإلى أي حد ستكون تعددية؟ هذه مهمة بالغة التعقيد وهي تهدد بشق الصف الوطني في إسرائيل.

ولا يمكن لنا أن نطلب إلى المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل أن يصلوا إلى فهم لوضعهم ما لم تعين الحدود النهائية التي تحدد وتفصل "الدولتين المستقلتين العربية واليهودية" (حسب منطوق قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة 181 لعام 1948) في فلسطين الانتدابية. يجب أن ينالوا وضعا مدنيا متساويا بشكل حقيقي، وحقوقا كأقلية. ولكنهم يجب أن يسلموا بالطبيعة الأساسية لإسرائيل كدولة يهودية. إن القبول بأن اليهود هم شعب له حق مشروع في تقرير المصير في وطنه التاريخي يمثل تحديا مؤلما لمعظم العرب والمسلمين في كل مكان. ويجب على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ههنا أن يكونوا في الطليعة. تم نشره في 11/11/2002. bitterlemons.org ©

يوسي ألفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية، جامعة تل أبيب.

=================================

وجهة نظر فلسطينية

الرحلة الطويلة لتحقيق مطلبين
بقلم عادل منّاع

=================================

كان العرب في إسرائيل جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني حتى عام 1948. وبعد الحروب التي أدت إلى تأسيس دولة إسرائيل وتشتيت الشعب الفلسطيني، فصل هؤلاء عن المجتمعات الفلسطينية الأخرى في الدول العربية المجاورة. على أنه من المفيد قبل الانغماس في تاريخ العرب بإسرائيل فحص نتائج حرب عام 1948 التي ما تزال تشكل الأساس للوضع الاجتماعي السياسي للعرب داخل إسرائيل، بل ولمعظم الفلسطينيين في الواقع.

بعد اتفاقيات الهدنة التي وقعت بين إسرائيل والدول العربية المجاورة لها في عام 1949 كان هناك 150 ألف عربي تقريبا يعيشون داخل الخط الأخضر. هذه المجموعة شكلت نحو سدس الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في المناطق التي أصبحت دولة إسرائيل. لقد شتتت الحرب نحو 750 ألف فلسطيني صاروا لاجئين في الدول العربية المجاورة.

وجد العرب الذين لم يبارحوا موطنهم أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه. فبينما غدا العرب في إسرائيل مواطنين وأخذوا يتمتعون ببعض حقوق المواطنة كانوا أيضا مقطوعين تماما عن بقية العالم العربي – ولاسيما عن سائر أبناء الشعب الفلسطيني. وفي داخل بلدهم عوملوا بعداء ونزعت ملكية مساحات واسعة من أراضيهم وظلوا يعيشون تحت الحكم العسكري حتى عام 1966. كانت تلك أصعب فترة مرت بالعرب داخل إسرائيل الذي جاهدوا لمجرد البقاء في ظل سياسات قمعية تنفذها سلطات عسكرية تحكم المناطق العربية.

لقد دمرت حرب 1948 المجتمع الفلسطيني وثقافته ونخبته السياسية. وعندما تفرقت القيادة، ولم يبق سوى قطاعات ضعيفة من الشعب الفلسطيني، كان في مقدور إسرائيل تهويد المناطق العربية ونزع الهوية الفلسطينية عن العرب داخل إسرائيل. ثم إن السلطات الإسرائيلية فرضت سياساتها على المناطق العربية التي كانت معزولة تماما عن بقية العالم العربي.

لم يتحد السياسات الإسرائيلية في ظل الحكم العسكري سوى أقلية صغيرة جدا من العرب داخل إسرائيل. كان من أبرز هؤلاء الشيوعيون والقوميون الذين رفضوا السياسات الإسرائيلية تجاه المجتمع العربي. لكن العرب في إسرائيل دفعوا حتى العام 1967 ثمنا عاليا مقابل تمسكهم بأرضهم ووطنهم. لقد عزلوا عن العالم العربي وأخضعوا لسياسات إسرائيلية تصدرتها إدارة عسكرية فصّلت على قدّ المجتمع العربي.

بعد الحرب-الكارثة عام 1967 خرج العرب في إسرائيل من عزلتهم وحددوا صلتهم ببقية الفلسطينيين والعالم العربي. كان لنهاية الحكم العسكري في عام 1966، وما تبع ذلك إثر حرب 1967 من انشغال السلطات الإسرائيلية في السيطرة على المناطق التي احتلتها في هذه الحرب أثرا عظيما على العرب داخل إسرائيل. فقد اكتسبوا ثقة بالنفس وكونوا أجندة سياسية خاصة بهم منذ أواسط السبعينات.

هذه الأجندة ما زالت قائمة اليوم رغم ما ألم بها من تشذيب مستمر على مدى الثلاثين سنة الماضية، وهي تستند إلى مطلبين أساسيين: السلام والمساواة. يجب أن يكون السلام قائما على إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ويجب إيجاد مساواة مدنية بين المواطنين العرب واليهود في إسرائيل كشرط للتوصل إلى مصالحة تاريخية ونهاية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

أيدت الغالبية العظمى من العرب في إسرائيل اتفاقات أوسلو لعام 1993، لأنها طرحت موضوعا حساسا يتمثل في إمكانية إنهاء الاحتلال وتأسيس دولة فلسطينية. في ذلك الوقت سعت حكومة إسحق رابين إلى تضييق الفجوة بين العرب واليهود باتباع سياسة مساواة تدريجية.

وقد أغضبت سياسات حكومة رابين هذه المعارضة اليمينية المتطرفة في إسرائيل. وكان اغتيال رابين في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1995 بداية نهاية سياسات المساواة والسلام. واليوم وبعد سنوات من اغتيال رابين لا نبالغ إذا قلنا إن القاتل ومؤيديه في اليمين الإسرائيلي المتطرف نجحوا في مهمتهم.

ثمة صلة وثيقة بين مستقبل العرب داخل إسرائيل ونجاحهم في الحصول على حقوق مدنية متساوية مع اليهود، وبين مستقبل الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. إن استمرار الاحتلال والصراع الدموي بين الشعبين يهدد حتى بتبديد المكاسب القليلة التي حققها العرب داخل إسرائيل منذ السبعينات. ومن ناحية أخرى فإن إنهاء الاحتلال وتأسيس دولة فلسطينية في الضفة وغزة يشكل تحقيقاً لمطلب واحد فقط للعرب في إسرائيل. والمطلب الثاني هو المساواة التامة. إنهم يطالبون بإنهاء التمييز الذي يسري في عروق دولة هي "لليهود فقط"، ويطالبون بأن تصبح إسرائيل دولة لكل مواطنيها: عربا ويهودا.

وإذ يقف المجتمع الإسرائيلي اليوم متأهبا لخوض انتخابات جديدة فإن على مواطنيه الاختيار بين السلام والمساواة وبين الاحتلال واستمرار النزاع. وإذا ما انحازت الحكومة المقبلة إلى الخيار الثاني فإن اليمين السياسي يكون قد نجح في قطع طريق السلام والمساواة الذي يمر عبر تقسيم فلسطين التاريخية وإنشاء دولتين. في مثل هذه الحالة فإن العرب في إسرائيل، والفلسطينيين بشكل عام، سيرغمون على خلق أجندة جديدة. قد تسعى هذه الأجندة مثلا إلى تأسيس دولة ديمقراطية مزدوجة القومية على كامل أرض فلسطين من نهر الأردن إلى البحر، بدلا من نظام قمعي ذي سياسات تقوم على الفصل العنصري.

إن إنهاء الاحتلال وتأسيس دولة فلسطينية في المناطق التي احتلت عام 1967 شرط ضروري لتمكين أفراد الأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل للحصول على المساواة التامة كمواطنين. وقبول هذا الحل سيكون تنازلا كبيرا يتم تقديمه من أجل التوصل إلى مصالحة تاريخية بين اليهود والعرب. وإذا نجح اليمين السياسي في إحباط هذا الحل، فإنه لن يلحق الأذى بفرص إحلال السلام بين الشعبين فحسب، بل سيهدد أيضا استقرار المجتمع الإسرائيلي واستقرار النظام السياسي الإسرائيلي. تم نشره في 11/11/2002. bitterlemons.org ©

د. عادل مناع هو مدير مركز دراسة المجتمع العربي في إسرائيل، القدس.

=================================

وجهة نظر إسرائيلية

مواطنو إسرائيل الفلسطينيون واستراتيجية حل النزاع
بقلم ماجد الحاج

=================================

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2000 والعلاقات الفلسطينية – الإسرائيلية في أزمة حادة. قد تؤدي هذه الأزمة إلى تدهور كامل في المنطقة بأسرها، و قد تكون، وهنا المفارقة، عاملا مساعدا للوصول إلى السلام. وكما تظهر حالات أخرى من النزاع المرير في العالم فإن "خيار الوضع القائم" ليس ناجحا.

ثمة مؤشرات كثيرة إلى أننا نسير في طريق نوع من الحل للنزاع قد يكون مؤقتا (مرة أخرى ترتيبات مرحلية تسبق الانفجار المقبل)، وقد يكون حلا أشمل يحظى بدعم الدول العربية والمجتمع الدولي. في أي حال فإن هناك حاجة ماسة للتطرق إلى ديناميكيات العلاقات بين النزاع الخارجي والنزاعات الداخلية داخل كل من المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي. وفيما يلي سنتناول بإيجاز آثار تسوية محتملة للنزاع الإسرائيلي – العربي – الفلسطيني على العلاقات اليهودية – العربية في إسرائيل، وسنتحدث عن الإجراءات التي يجب أن تؤخذ لخلق جو ملائم قد يعمل كحافز للسعي نحو السلام.

لقد تأثر وضع الفلسطينيين في إسرائيل وظروفهم بشكل عميق بالنزاع الإسرائيلي العربي، ولاسيما النزاع مع الشعب الفلسطيني. وقد طور الفلسطينيون في إسرائيل عبر الزمن، ورغم الصعاب الجمة والتناقضات، هوية مكونة من عنصرين: القومية (المركب الفلسطيني العربي)، والمواطنة (الإسرائيلية). هذه الهوية المركبة المتفردة هي نتيجة تجاور مجموعتين مرجعيتين: الأغلبية اليهودية في إسرائيل على مستوى المواطنة، والشعب الفلسطيني والعالم العربي على المستوى القومي. نتيجة لذلك فإن وضعهم غدا هامشيا بشكل مكرر، فهم على هامش المجتمع الإسرائيلي، وعلى هامش الحركة الوطنية الفلسطينية.

ولن يحدث تغيير مؤثر في السياسة الرسمية تجاه المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ما لم يحل هذا التناقض الخارجي. وتبعا لذلك فالمتوقع أن تحسن عملية السلام بشكل كبير من وضع الفلسطينيين في إسرائيل.

خلافا للفهم الخطأ الشائع، نقول إن أي تسوية سلمية للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي لا تأخذ بعين الاعتبار القضايا الاجتماعية الداخلية، بما في ذلك توسيع نطاق الشرعية الاجتماعية للمجتمع الإسرائيلي (إلى ما وراء الطبيعة الإثنية – القومية الحالية لإسرائيل) سيكون من شأنها فقط تعميق وضع الفلسطينيين في إسرائيل كهامش مكرر، وبالتالي خلق فرصة كبيرة لانفجار قد يعرض للخطر العملية برمتها.

وإذا حكمنا على الأمور انطلاقا من معاهدات أوسلو، فإن الدافع الرئيسي للسعي نحو السلام بالنسبة للجانب الإسرائيلي كان الحاجة إلى الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل الحفاظ على الشخصية اليهودية – الصهيونية للدولة، ولمنع تحولها إلى دولة مزدوجة القومية. وقد أعرب عن هذا الرأي القادة اليهود من اليمين واليسار الصهيونيين على حد سواء. ولهذا فقد أدى بدء تطبيق اتفاقات أوسلو (وقبول حكومة نتنياهو الليكودية لهذه الاتفاقات لاحقا) إلى تقليص الفوارق بين اليمين واليسار الصهيونيين في إسرائيل.

لقد زادت اتفاقات أوسلو اضطراب وقنوط اليسار الصهيوني لغياب أي أجندة اجتماعية واضحة لديه. ولم تكن القضايا الاجتماعية (المرتبطة بالفوارق الطبقية، والنساء، والمواطنين العرب، .. إلخ) قط من الاهتمامات الأساسية لليسار الإسرائيلي. ولهذا فقد كان تحمس اليسار الإسرائيلي للسلام مفصولا عن أي مضمون اجتماعي – مواطني.

يمكن للمرء أن يعتقد أنه بالرغم من وجود أغلبية ضمن الجمهور اليهودي تؤيد حلا وسطا للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني مستندا إلى الفصل (كما تظهر عدة استطلاعات رأي)، فإن الأغلبية اليهودية تنحو إلى مزيد من الانغلاق على المستوى المدني، وهذا مرتبط بتغير طبيعة الدولة والسياسة المتبعة تجاه الفلسطينيين في إسرائيل. ولذا فإن فكرة الترانسفير تنال مزيدا من الدعم والشرعية بمرور الوقت في أوساط الجمهور اليهودي الإسرائيلي وفي أوساط صانعي القرار كذلك.

وانطلاقا من ذلك فإن الأزمة في العلاقات اليهودية العربية في إسرائيل اليوم ليست نتيجة لأحداث تشرين الأول/أكتوبر 2000، عندما قتل ثلاثة عشر مواطنا فلسطينيا على يد قوات الأمن الإسرائيلية. عوضا عن ذلك فإن تلك الأحداث كانت مظهرا للأزمة التدريجية التي تسارع نموها منذ بدء "عملية السلام"، تماماً مثلما انفجرت انتفاضة الأقصى على خلفية الإحباط التدريجي والأزمة العميقة في عملية السلام.

ولهذا فإنه إذا قدر لأي تغيير أن ينال حظا من النجاح فلا بد من حدوث تحول جذري في الاستراتيجية الإسرائيلية لحل النزاع. يجب أن تصاحب حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني – العربي الخارجي أجندة اجتماعية تهدف إلى دعم وتنمية مجتمع مدني في إسرائيل (وفي فلسطين أيضا بالطبع). إن الافتراض بأنه في الإمكان السماح للفوارق الاجتماعية بأن تتفاقم إلى أن تتم معالجة النزاع الخارجي قد أثبت زيفه.

وكما أظهرت التجربة في أماكن أخرى فإن حل النزاعات الخارجية يؤدي غالبا إلى تعميق الانقسامات الداخلية لا إلى تقليلها.

ليس سهلا تطوير استراتيجية مركبة كهذه لحل النزاع على المستويين الخارجي والداخلي، ولاسيما ضمن الظروف الحالية. أحد الظروف الأساسية لبدء عملية كهذه يقتضي إقامة ائتلاف واسع للسلام والمساواة عبر استمرار الحوار، والمشروعات على مستوى القاعدة في مجالات المجتمع المدني والتعليم المتعدد الثقافات، وعبر سلسلة من النشاطات التي تهدف إلى توعية صانعي القرار والجمهور بشكل عام بالنتائج المترتبة على السيناريوهات المختلفة. تم نشره في 11/11/ 2002. bitterlemons.org ©

ماجد الحاج أستاذ علم الاجتماع ورئيس مركز التعدد الثقافي والبحث التربوي بجامعة حيفا. هذا المقال يستند إلى محاضرات ألقاها المؤلف في إطار سلسلة "التعدد الثقافي في إسرائيل، الحلم، والحقيقة، والبحث عن طريق جديد".

=================================

للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org