bitterlemons.org - Palestinian-Israeli crossfire on
><><><><><><><><><><><><><><><><><
الحكومة الإسرائيلية الجديدة والصراع

10 آذار/ مارس 2003، عدد 10

================
www.bitterlemons.org
================
هذا العدد و أعداد سابقة موجوده على موقعنا الالكتوني www.bitterlemons.org.

في هذا العدد
================================

>< بين الخطوط العريضة للحكومة وخطاب هرتسليا
بقلم يوسي ألفر
هذه صيغة لركود مطول، بل أسوأ

>< لا جديد بالنسبة إلينا
بقلم غسان الخطيب
ستكون هذه الحكومة الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ إسرائيل كله

>< لا سبيل إلى استراتيجية بعيدة المدى
مقابلة مع موشيه آرنس
تصور شارون البعيد المدى للدولة الفلسطينية غير ذي بال

>< البحث عن المنطق بالعودة إلى المربع الأول
بقلم محسن يوسف
رغم الطابع اليميني لشارون فهو الآن في أقصى اليسار بالنسبة لأعضاء حكومته

=================================

وجهة نظر فلسطينية
جديد بالنسبة إلينا
بقلم: غسان الخطيب

=================================

التشكيلة الجديدة للحكومة الإسرائيلية لم تطرح جديدا البتة. وعلى غرار نتائج الانتخابات فإنها أعادت، على نحو ما، الحكومة السابقة بقيادة الليكود، مع خروج حزب العمل الذي هو من يسار الوسط. وعلى هذا فإن هذه الحكومة ستكون الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ إسرائيل كله.

من منظور فلسطيني ثمة أسباب كثيرة لاعتبار هذه الحكومة خطرة جدا. أولا وقبل كل شيء فهي تضم في تركيبتها الليكود وأحزابا أخرى على يمينه، وتهيمن عليها شخصية أرئيل شارون الذي أثبت عداءه الشديد للتنازلات التاريخية التي تم التفاوض عليها في مدريد وأوسلو، ولمواد القانون الدولي التي تشكل أساسا لعملية السلام. وبعض شركاء شارون الائتلافيين أكثر منه تطرفا في هذا الصدد، لا بل إنهم – في المعايير السياسية المختلة في هذه الأيام – يجعلونه في الواقع يبدو معتدلا.

السبب الثاني الذي تعد هذه الحكومة لأجله خطرة هو أنها تترافق مع إدارة أميركية يمينية أيضا وأصولية من بعض النواحي، تتبنى مواقف من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هي الأكثر انحيازا من كل ما شهدناه من مواقف أميركية منذ بدء الصراع. الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي لها تأثير على إسرائيل، ولهذا فإن العناق بين هذه الحكومة الإسرائيلية مع تلك الإدارة الأميركية بالذات يمثل مزيجا متفجرا يشجع على اتخاذ الحكومة الإسرائيلية مواقف عدوانية هي في النهاية مصدر خطر على الفلسطينيين وعلى احتمالات السلام.

ليس صدفة أن هذه الحكومة الإسرائيلية تأتي إلى الحكم في وقت تتزايد فيه قوة الجماعات الفلسطينية المتطرفة. هذه الجماعات تعارض بشكل فاعل عملية السلام، ونشاطاتها (ولاسيما الهجمات ضد المدنيين الإسرائيليين داخل إسرائيل التي تم التنديد بها من جانب السلطة الفلسطينية) تقدم لهذه الحكومة اليمينية الإسرائيلية المبرر والذريعة لسياساتها القائمة على العنف. (وبالطبع فإن العكس صحيح أيضا، فالعدوان الإسرائيلي على المدنيين الفلسطينيين يقوي المعارضة الفلسطينية). وبكلمات أخرى فإن التطرف هو سمة المرحلة، حيث تكتسب نشاطات جماعات المعارضة الفلسطينية زخما بفعل الهجمات المكثفة لهذه الحكومة الإسرائيلية.

كل هذا يحدث بينما تقترب المنطقة من حرب في العراق، مما يجعل الأخطار تبدو بصورة مكبرة. وبينما يشعر قليل من الفلسطينيين فقط بالقلق من النتائج المباشرة لحرب في العراق، فنحن كلنا قلقون جدا من أن هذه الحرب ستستغل لزيادة الفظائع التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني وضد قيادته.

وبحسب ما ذكرت فإن هذه الحكومة الإسرائيلية لا تمثل مفاجأة، ولكنها جلبت معها دواعي قلق للفلسطينيين. ليس فقط أننا نرى إزاءنا مخاطر كبيرة، بل أننا متأكدون تقريبا من أن هذه الحكومة لن تسمح بأي فرصة لاستئناف عملية السلام. إن الإيديولوجية المسيطرة عليها لا تنسجم أبدا والمقتضيات القانونية الدولية للسلام، ولاسيما أساس الحل الوسط وهو: الأرض مقابل السلام. هذه الحكومة لا تكتفي بمعاداة روح عملية السلام، بل هي تقوم بكل عزمها ويوميا بعملية تعزيز احتلالها العسكري في الأرض الفلسطينية. تم نشره في 10/3/2003 ©bitterlemons.org

غسان الخطيب هو وزير العمل في حكومة السلطة الفلسطينية. وقد عمل لسنوات محللا سياسيا وصحفيا.

================================

وجهة نظر إسرائيلية

بين الخطوط العريضة للحكومة وخطاب هرتسليا
بقلم يوسي ألفر
=================================

شكل أرئيل شارون حكومة يمينية جديدة تستند ظاهريا إلى تناقض حاد بشأن القضية الأساسية التي تواجهها: النشوء المحتم لدولة فلسطينية. وعلى هذا فإما أن يكون شارون غير جاد بشأن هذه القضية، ولا ينوي مطلقا أن يضطلع بإنشاء دولة فلسطينية على أقل من 50% من الأرض، أو أنه ينوي تفكيك هذه الحكومة واستبدال حكومة أخرى بها تكون أكثر ميلا باتجاه اليسار عندما يأزف الوقت الذي تصبح فيه الدولة الفلسطينية حقيقة.

في هذا الصدد، فإن المادة الرئيسية في الخطوط العريضة للحكومة الجديدة هي تلك التي تتصدر القسم المخصص لـ "الأمن والسلام والتسوية". وقد جاء فيها أن "أحزاب هذا الائتلاف قررت أن تعمل بانسجام.. رغم حقيقة أن كلا منها مستمر في التمسك بمواقفه المبدئية.. فيما يتعلق بالتسوية.. وطبيعة وظروف اتفاقيات الحل النهائي". وإذا نظرنا إلى هذا وإلى الاتفاقيات الجانبية ورسائل التحفظ التي نأى الحزب الوطني الديني وحزب الاتحاد الوطني فيها بنفسيهما حتى عن فسيفساء الجيوب التي يروج شارون لها بوصفها الدولة الفلسطينية، فإن هذه المادة من الخطوط العريضة التي تظهر مدى مغالاة كل طرف في التمسك برأيه إنما تشير فقط إلى أن رئيس الوزراء لا يتوقع من هذا الائتلاف بالذات أن ينجز أي شيء فيما يتعلق بالتقدم السياسي مع الفلسطينيين.

تمضي الخطوط العريضة للحكومة إلى الإشارة إلى وثيقة أخرى مهمة لفهم طريقة شارون في معالجة المسألة الفلسطينية. في القسم 2,6 من "الخطوط العريضة" ورد ما يلي: "نشاطات الحكومة في المضمار السياسي ستكون محكومة بالمبادئ التي قدمها رئيس الوزراء للجمهور في فترة سابقة على الانتخابات (بما في ذلك المبادئ التي وردت في خطاب رئيس الوزراء في مؤتمر هرتسليا في 4 كانون الأول/ديسمبر 2002). قبل حدوث مفاوضات نشطة بشأن الحل السياسي، إن كان هذا يتضمن إنشاء دولة فلسطينية، فإن الموضوع سوف يطرح على النقاش بهدف اتخاذ قرار حوله داخل الحكومة".

يلخص خطاب هرتسليا فهم شارون لخريطة الطريق ولخطاب الرئيس الأميركي بوش في 24 حزيران/يونيو 2002 :

  • "الطريقة الوحيدة لتحقيق اتفاقية سلام حقيقي مع الفلسطينيين هي التقدم على مراحل، مع كون المرحلة الأولى وقفا تاما للإرهاب"
  • "التقدم (من مرحلة إلى مرحلة) إنما يتقرر بناء على ما تم إنجازه"
  • "تحقيق تعايش حقيقي يتم إنجازه أولا وقبل كل شيء بالاستبدال بالقيادة الفلسطينية.. لا تقدم ممكنا مع عرفات"
  • "بالتوازي مع، وربما حتى قبل الإصلاحات الحكومية، يجب تنفيذ إصلاحات أمنية"
  • المرحلة الثانية من تسلسل الرئيس بوش تطرح إنشاء دولة فلسطينية بحدود لم تقرر نهائيا، وهي ستشمل بشكل ما المناطق أ و ب، فيما عدا قطاعات أمنية أساسية
  • "في المرحلة الأخيرة.. سيتم البدء بمفاوضات لتحديد الوضع النهائي للدولة الفلسطينية وتثبيت حدودها النهائية".

إن المرحلة الثانية والثالثة، كما وصفهما شارون في خطاب هرتسليا، هما من المبادئ التي لا يوافق عليها الحزبان المتطرفان يمينيا في حكومة شارون. جدير بالذكر أن هذا الخطاب لا يضم أية إشارة إلى إزالة المستوطنات، بينما تضم "الخطوط العريضة للحكومة" تجميدا للاستيطان صيغ بلغة غامضة إلى درجة أن الحزب الوطني الديني، حزب المستوطنين، لم يتردد في الموافقة عليه. ولهذا فمن المشكوك فيه أن يتم، بحسب نص "الخطوط العريضة"، أي "نقاش وإقرار" بخصوص المرحلتين الثانية والثالثة، حيث من الصعب تخيل قبول أية حكومة فلسطينية برؤية شارون لخريطة الطريق والموافقة على التفاوض على تطبيق إقامة دولة مسخ لا يعرف ما ستؤول إليه "في المناطق أ و ب، فيما عدا قطاعات أمنية أساسية"، أي بعبارة أخرى على أقل حتى من 42 بالمئة من الضفة الغربية.

يمكن الافتراض بأن شارون لا يرى الأمر يسير على هذا النحو، قد يعتقد أن قيادة فلسطينية جديدة سوف يتم إجبارها في نهاية المطاف على التفاوض انطلاقا من طرحه، وعندئذ فسوف يحاول إذا دعت الضرورة تشكيل حكومة بديلة. وعلى كل حال فهذا هو ما كان ظنه عندما سعى، مخفقا، إلى إنشاء "روابط القرى" العميلة في عام 1981 وحكومة الجميل في لبنان عام 1982. ويبدو أنه ينوي السير في هذا الاتجاه إذ يجري احتلال تدريجي لقطاع غزة.

هذه صيغة لركود مطول، بل لأسوأ من ذلك، على مدى الأشهر والسنوات القادمة. وفي هذه الأثناء فإن شركاء شارون اليمينيين المتطرفين الفائقي التعاون، الذين سلمهم مسرورا وزارتي الإسكان والنقل، سيقيمون مزيدا من المستوطنات ومن الطرق الالتفافية مما سيزيد من التداخل بين اليهود والعرب (والعرب سيصبحون عما قريب الأغلبية) جغرافيا وديموغرافيا على طول وعرض الأرض الموعودة.

كيفما ستسير الأحداث فإن هذه الحكومة ستخطو خطوة أخرى صوب إنهاء إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. تم نشره في 10/3/2003 ©bitterlemons.org

يوسي ألفر مدير سابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب، وكبير مستشارين سابق لرئيس الوزراء إيهود باراك.

=================================

وجهة نظر فلسطينية

البحث عن المنطق بالعودة إلى المربع الأول
بقلم محسن يوسف

=================================

بعد مفاوضات استمرت طيلة عقد التسعينيات من القرن الماضي خُيّل إلينا أن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي قد أصبحا قاب قوسين أو أدنى من إبرام اتفاقية تاريخية تنهي الصراع بين الطرفين وتفتح المجال أمام إبرام اتفاقيات مماثلة مع البلدان العربية الأخرى. في حينه اعتقد أغلبية الفلسطينيين والإسرائيليين أن المباحثات قد أنجَزت حوالي 95% مما يجب إنجازه ولم يبق أمام المفاوضين إلا أن يتفقوا على أمور قليلة نسبيا رغم أهميتها المعنوية لكلا الطرفين.

  • أرئيل شارون الذي كان رئيسا لحزب الليكود المعارض في فترة مفاوضات كامب ديفد بذل كل ما باستطاعته لكي يقوض دعائم تلك المفاوضات ليمنع التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لقد أحرز شارون نجاحا باهرا وحصل على مبتغاه بشكل كامل بحيث أشعل نار انتفاضة الأقصى التي وضعت حدا لمفاوضات السلام. أعيد احتلال الضفة الغربية بكاملها وكاد أن يلغي ليس فقط السيادة الفلسطينية الهزيلة أصلا وإنما أن يقضي على السلطة الفلسطينية بالكامل.
  • رغم تطرف ويمينية شارون أصبح اليوم وفي أعقاب تشكيله حكومته الثانية يقف في أقصى يسار أعضاء حكومته، ليس لأنه قد غيّر من أفكاره وآراءه وإنما لأن أعضاء حكومته الجدد إما أن يكونوا يمينيين بنفس قدر يمينيته وإما أن يكونوا أكثر يمينية وتطرفا منه. ولكي نعرف موقف حكومة شارون الثانية من موضوع السلام بشكل دقيق علينا أن نعود إلى وثيقتين غاية في الأهمية، وهما: الخطوط العريضة التي تقوم عليها الحكومة الجديدة، و الخطاب الذي ألقاه أرئيل شارون نفسه في مؤتمر هرتسليا بتاريخ 4/12/2002. ويمكن تلخيص المعلومات التي جاءت بوثيقة الخطوط العريضة للحكومة بما يلي:
    1. ستعمل الحكومة على تحقيق السلام مع الفلسطينيين ومع الدول العربية على شرط أن لا يضر ذلك بالمصالح الأمنية والتاريخية والقومية لإسرائيل والشعب اليهودي
    2. ستعمل الحكومة على تعزيز مكانة القدس كعاصمة لإسرائيل
    3. ستعمل الحكومة على تعزيز الاستيطان في كل أرجاء أرض إسرائيل
    4. السلام يتطلب تنازلات صعبة من جميع الأطراف
    أما الفكرة الرئيسية التي تحدث عنها شارون في خطابه بمؤتمر هرتسليا فهي تلك المتعلقة بإنشاء دولة فلسطينية. فحسب هذه الوثيقة فقد أبدى شارون استعداده للقبول بقيام دولة فلسطينية على مراحل وأنه لن يتم الانتقال من مرحلة إلى أخرى إلا بعد الانتهاء من المرحلة السابقة بشكل كامل وبعد أن يتم التأكد من أن الفلسطينيين قد نفذوا جميع ما طلب منهم بصدق وحسن نية. أما المراحل الرئيسية التي ذكرت فتتمثل بما يلي: في المرحلة الأولى على الفلسطينيين أن ينهوا الانتفاضة وكل أعمال العنف وأن تجمع السلطة الفلسطينية الأسلحة من المنظمات الفلسطينية وأن تتوقف عملية التحريض على استعمال العنف، وإجراء تغيير جوهري على مناهج التدريس الفلسطينية وما إلى ذلك من أمور. وفي المرحلة الثانية يجب إجراء إصلاحات جذرية في السلطة الفلسطينية خصوصا في مجالات صلاحيات وواجبات مؤسسات الحكم المختلفة وفي المجالات المالية والأمنية، وأن يكون هناك تعاون أمني وثيق بين السلطة وإسرائيل. وفي المرحلة الثالثة يتم إجراء انتخابات فلسطينية. وبعد ذلك فقط يتم إنشاء دولة فلسطينية في مناطق (أ) و (ب) فقط على أن تكون جميع منافذها الخارجية وسماؤها تحت السيطرة الإسرائيلية وعلى أن ينال مشروع الدولة هذه موافقة الائتلاف الحكومي الإسرائيلي. وفي مرحلة لاحقة غير محددة بفترة زمنية تجري مفاوضات لحل الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية بشكل نهائي.

    بالنسبة للفلسطينيين فإن ما يطرحه شارون وحكومته غير جدي بتاتا، والهدف منه ليس فقط الظهور بمظهر الداعي للسلام وإنما أيضا إجبار الفلسطينيين على رفض الفكرة ليظهروا بمظهر الرافض للسلام. وأكثر ما يؤكد عدم جدية هذه الأفكار أنها مليئة بالتناقضات والشروط والمطالب الغامضة التي من الصعب الاتفاق على أنها قد حققت أم لا. فكيف سيكون هناك دولة فلسطينية مع تنشيط العمل الاستيطاني في الضفة ومنطقة القدس؟ وهل يعقل أن يفرض على الفلسطينيين نظام حكم وإدارة يكون الهدف من إنشائها تحقيق الأهداف الإسرائيلية قبل أن تلتفت هذه الإدارة إلى المصالح الحيوية الفلسطينية؟ وكيف سيلبي الفلسطينيون المطالب الإسرائيلية ما دامت الحكومة الإسرائيلية هي الجهة التي ستقرر فيما إذا نفذ الفلسطينيون كل ما طلب منهم، علما أن القائمين على هذه الحكومة لا يرغبون بالانتقال من المرحلة الأولى للمرحلة الثانية؟

    علاوة على ذلك فإن الخطوط العريضة للحكومة تشترط موافقة الائتلاف الحكومي على إنشاء دولة فلسطينية، علما أن الأحزاب اليمينية المتطرفة تصرح جهارا وفي كل وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية أنها لن توافق على إنشاء دولة فلسطينية إلى الغرب من نهر الأردن. فعلى سبيل المثال صرح حزب الاتحاد الوطني الذي يترأسه أفغدور ليبرمان مرارا وتكرارا أنه "يعارض قيام دولة فلسطينية غرب نهر الأردن مهما كانت حدودها".

    والأغرب من ذلك كله أن رموز هذه الحكومة عارضوا اتفاقية أوسلو وعملوا كل ما بوسعهم لإبطالها والقضاء عليها وقد نجحوا بذلك إلى حد كبير جدا، والآن يقترحون هم أنفسهم تحقيق السلام بين الطرفين بنفس مواصفات اتفاقية أوسلو. فهل المقصود هو تغيير اسم الاتفاقية لأن الاسم القديم مرتبط بحزب العمل وبالرئيس ياسر عرفات أم أن الهدف هو إعادة التفاوض من البداية بهدف كسب الوقت ليتمكنوا من فرض حقائق جديدة على أرض الواقع التي من شأنها منع قيام دولة فلسطينية؟

    في أعقاب الحرب العالمية الثانية، التي كانت أكبر حرب في التاريخ البشري، عقدت مئات التسويات وأبرمت مئات الاتفاقيات في فترة زمنية لا تزيد على السنتين. في مقابل ذلك فرضت إسرائيل على الفلسطينيين مفاوضات استمرت لعقد من الزمان ولم يتم التوصل إلى اتفاق ينهي مشكلة مساحة من الأرض لا تساوي واحدا على مليون من مساحة العالم الذي شارك في الحرب العالمية الثانية. بل على العكس من ذلك فإن شارون وحكوماته قد أعادوا المشكلة إلى مربعها الأول وتجاهلوا كل ذلك العقد من المفاوضات. وهنا يتساءل المرء كم سيحتاج الطرفان من الوقت للتفاوض حتى إنهاء الصراع بشكل نهائي ؟

    في اعتقادي أن الإشكال الأساسي الذي واجه وأفشل اتفاقية أوسلو هو مبدأ المرحلية في حل النزاع. إن عامل الانتظار والخوف مما ستتمخض عنه المحادثات البطيئة جدا قد زاد من قلق الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء، وقد أفسح المجال أمام المعارضين لأي نوع من التسوية لتنظيم صفوفهم ووضع المجتمَعان الفلسطيني والإسرائيلي بوضع من الترقب والتوتر والخوف بحيث يقبلان بأي نوع من أعمال العنف التي من شأنها أن تزيل من أمامهم شبح التغيير المستقبلي.

    الغريب أن الساسة الإسرائيليين والأمريكان لم يتعلموا من درس أوسلو، وعلى ما يظهر فإنهم سيكررون نفس الخطأ في المستقبل القريب. في نظري أن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيسبب ألما كبيرا لكل أفراد الشعبين بالضبط مثل ألم المخاض وألم الأسنان الذي يسبب ألما شديدا جدا لفترة قصيرة من الوقت ثم يعود الجسم إلى حالته الطبيعية. وعليه يفضل حل هذا الصراع دفعة واحدة وليس على مراحل لأن الحل المرحلي يعني المعاناة المتواصلة لأشهر وسنين طويلة.

    غالبية أعضاء الحكومة الإسرائيلية الحالية لا يريدون البدء بمفاوضات السلام قبل إحراز نصر مؤزر على الفلسطينيين وتلقينهم درسا لا ينسوْنه، لكي لا يعودوا إلى الثورة والانتفاضة من جديد. ولكن على القادة الإسرائيليين وحلفائهم أن يتذكروا أن إسرائيل قد أحرزت انتصارات مؤزرة وساحقة على الفلسطينيين مرات عديدة إلا أن هذا الشعب سرعان ما كان يعود للثورة من جديد ليس لأنه شعب غبي وبطيء الفهم وإنما لأن الظلم العظيم الذي اقترف بحقه يفوق آلام الثورات والانتفاضات. وإني على يقين أن الشعب الفلسطيني سيعود للثورة والانتفاضة من جديد كل بضع سنين، بالضبط كما فعل دائما، ما دام أنه لم يتم التعامل مع قضيته بشئ من العدالة والإنسانية. وعلى جميع الأحوال، ماذا ستحقق حكومة شارون الجديدة إذا ما استكان الشعب الفلسطيني، الذي أصبح يشكل الآن نصف سكان فلسطين الانتدابية، وامتنع عن القيام بانتفاضات وثورات جديدة ؟ فهل سيختفي من على وجه الكرة الأرضية أم أنه ستضطر الحكومات الإسرائيلية القادمة إلى القبول بدولة ديموقراطية ثنائية القومية ؟ ألم يكن هذا الحل هو الذي نادى به الفلسطينيون على مر عقود طويلة وما زالت إسرائيل ترفضه رفضا باتا حتى اليوم؟ تم نشره في 10/3/2003 ©bitterlemons.org

    محسن يوسف أستاذ التاريخ في جامعة بيرزيت

    =================================

    وجهة نظر إسرائيلية

    لا سبيل إلى استراتيجية بعيدة المدى
    مقابلة مع موشيه آرنس

    =================================

    bitterlemons: في وقت يتصاعد فيه اجتياح إسرائيل العسكري لقطاع غزة، ويبدو فيه مرجحا أن أبو مازن سيتم اختياره رئيسا للوزراء للسلطة الفلسطينية هل نحن نشهد انتصار استراتيجية رئيس الوزراء أرئيل شارون بتسجيل نصر عسكري حاسم، وإرغام الفلسطينيين على تغيير قيادتهم؟

    آرنس: في الظروف المتقلبة التي هي سمة الشرق الأوسط ليس في مقدورنا أن نعرف ماذا سيحدث على المدى البعيد، لذا علينا الاكتفاء بالتعامل مع التكتيك. ولهذا فليس لشارون استراتيجية في الواقع. ولكن يحسب في حسناته النجاح الذي حققه في ترسيخ مفهوم وجوب إصلاح القيادة الفلسطينية. من الواضح أن لم يدر قط في خلد [الزعيم الفلسطيني ياسر] عرفات أنه سيضطر إلى تعيين رئيس وزراء. لقد أذعن للضغوط. واجتياحنا لغزة هو أيضا تكتيك، من أجل وضع حد لإطلاق صواريخ قسام، وليس استراتيجية.

    bitterlemons: أنت تؤيد حلا عسكريا محضا للإرهاب. وشارون يضيف إلى ذلك عنصرا أساسيا. هل تعارض نهجه؟

    آرنس: ليس هناك إمكانية لمفاوضات حقيقية قبل قطع دابر الإرهاب. كان شارون متأخرا في تنفيذ الحل العسكري. كان عليه أن يبدأ عقب هجوم الدولفناريوم (صيف 2001). في البداية كانت خطواته مترددة، وكان يقول: "ضبط النفس دليل القوة"، ولكن بشكل عام فهو يتصرف على النحو الصحيح الآن. كان الأمر عبارة عن مسألة سرعة استيعاب كيفية التعامل مع نوع جديد من الإرهاب.

    bitterlemons: هناك عدم اتفاق بين الليكود (وضمن الليكود) وبين الحزب الوطني الديني وحزب الاتحاد الوطني على سياسة شارون للسلام وعلى هدف إنشاء دولة فلسطينية. في هذه الظروف هل يمكن للحكومة الجديدة أن تنجح؟

    آرنس: في رأيي أن الحكومة مستقرة جدا. القانون الذي يحد من إمكانية طرح تصويت بعدم الثقة في الحكومة يعزز الاستقرار، ومن المرجح جدا أن تعيش الحكومة عمرها كاملا. أما بشأن الخلافات فالمهم هو أن الجمهور قال كلمته بشكل حاسم لصالح الليكود على نحو غير مسبوق في تاريخ الانتخابات في إسرائيل. وعلى هذا فشارون سياسيا في موقع قوي جدا بالمقارنة مع أوضاع سابقة كان فيها حزب رئيس الوزراء يمثل أقلية ضمن الائتلاف الحاكم.

    من الواضح أنه لا يوجد إجماع ضمن الحكومة على المسألة الفلسطينية. ولكن رؤية شارون البعيدة المدى للدولة الفلسطينية في نهاية العملية ليست ذات بال، ولا أرى نفعا للتحدث عن هذا الأمر. التحدي الحقيقي هو الإرهاب، والحكومة موحدة حول هذا الأمر.

    bitterlemons: بحسب خريطة الطريق وخطاب الرئيس بوش في 24 حزيران/يونيو 2002 فإن دولة فلسطينية سيتم إنشاؤها قبل نهاية عام 2003.

    آرنس: إذا كان بوش يأمل في أن ينتهي الإرهاب خلال عام 2003، فأنا كذلك. ولكنني لست على يقين من أن هذا سيحدث فعلا. في المستقبل المنظور لن نصل إلى مفترق قرارات سياسية لأن التطورات في الشرق الأوسط بطيئة جدا، جدا.

    bitterlemons: في رأيك هل رؤية شارون التي تنص على أن يتم في المرحلة الثانية من خريطة الطريق إنشاء دولة فلسطينية بدون حدود ثابتة على نحو 50% من الأراضي ولمدة 15 سنة هي رؤية قابلة للتنفيذ؟

    آرنس: من الصعب تناول هذا الموضوع: نحن بعيدون جدا عن حل كهذا ينهي الصراع.

    bitterlemons: حزب شينوي لا يوافق على الحل السياسي لليمين الإسرائيلي. هل هو يمثل الحلقة الضعيفة في هذه الحكومة؟ هل سيسجل ما يكفي من إنجازات "علمانية" في حكومة يعارض نهجه فيها عدد لا بأس به من الوزراء؟

    آرنس: شينوي حزب يستند إلى قضية واحدة وسوف يلتزم بها. لا أتخيلهم يغادرون الحكومة حول مسألة افتراضية. نصيحتي لشينوي هي: لن تنالوا فرصة أفضل لتحقيق برنامجكم ذي القضية المفردة خارج هذه الحكومة. تم نشره في 10/3/2003 ©bitterlemons.org

    موشيه آرنس كان وزيرا للدفاع ووزيرا للخارجية في حكومات ليكود، وعضو كنيست عن الليكود، وسفيرا لإسرائيل في الولايات المتحدة.

    =================================

    للأشتراك الكتابة على subscribe@bitterlemons.org
    وإذا ما اخترت عدم الاشتراك في أي وقت، الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي: unsubscribe@bitterlemons.org